ثم أن شرعنا أثنى على هذا الفعل وأتى به في معرض المدح والإقرار، فدل على أنه ليس من الانتحار المحرم. [1]
2)حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المِدْرَى [2] من يديها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟. قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبره بذلك. قالت: نعم. فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله. فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها. قالت: له إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا. قال: ذلك لك علينا من الحق. قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت" [3] ."
(1) المختار في حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار ص:40، العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ص:110
(2) (المِدْرَى) : شيء يُعْمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطْوَل منه، يسرّح به الشعر المتلبّد ويستعمله من لا مُشْط له. النهاية مادة (درى) 2/ 115
(3) رواه أحمد 1/ 309، والحاكم 2/ 538 وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وابن حبان 7/ 163، والطبراني في المعجم الكبير 11/ 450، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 10/ 275، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والحديث في إسناده عطاء بن السائب وهو ممن تكلم فيه الأئمة بسبب اختلاطه. قال أحمد: من سمع منه قديما كان صحيحا ومن سمع منه حديث لم يكن بشيء.
ينظر في ترجمته: الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 362، تهذيب الكمال 20/ 86، تهذيب التهذيب 7/ 183
وقد اختلف الأئمة في سماع حماد بن سلمة من عطاء بن السائب هل هو قبل اختلاطه أو بعده؟
فنقل العقيلي في الضعفاء الكبير عن ابن المديني عن يحيى القطان أن حماد بن سلمة حمل عن عطاء بن السائب قبل أن يختلط وبعده وكان لا يفصل هذا من هذا. الضعفاء الكبير للعقيلي 3/ 339
لكن الذهبي نقل في الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات 1/ 61 عن جمهور المحدثين أن حماد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط، قال:"وقد استثنى الجمهور رواية حماد بن سلمة عنه أيضًا، قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني، وذَكَر ذلك عن ابن معين ابنُ عدي في الكامل وعباس الدوري وأبو بكر بن أبي خيثمة، وقال الطحاوي: وإنما حديث عطاء الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد. وقال حمزة بن محمد الكناني في أماليه: حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء. وقال عبد الحق في الإحكام: إن حماد بن سلمة سمع منه بعد الاختلاط كما قاله العقيلي. قال الأبناسي: وقد تعقب الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن الموّاق كلام عبد الحق يعني الذي ذكرناه وقال: لا نعلم من قاله غير العقيلي".
وإذا تقرر أن سماع حماد بن سلمة من عطاء كان قبل الاختلاط كما هو قول الجمهور، فإنه يكون صحيحًا، وعليه يكون هذا الحديث صحيح الإسناد، والله أعلم.