مهما بلغ تعذيبه وليبشر بالمثوبة والأجر العظيم من الله عز وجل ولا يكشف للعدو أسرار المجاهدين ومواقعهم وعددهم وعدتهم مهما بالغوا في تعذيبه، وله أن يخبرهم بخلاف الواقع تلميحًا وتورية ... أو تصريحًا إذا اضطروه إلى ذلك لأنه مكره على الكذب" [1] ."
ومن أدلة هذا القول:
1)عموم أدلة تحريم قتل النفس. وقد تقدم ذكر بعضها ووجه الاستدلال بها على تحريم قتل النفس في المطلب السابق بما يغني عن إعادته. [2]
2)القياس على مسألة تحريم إلقاء بعض الركاب إذا ثقلت بهم السفينة لتحصيل نجاة الباقين بجامع التخلص من بعض المسلمين لاستبقاء جماعتهم.
وقد ذهب عامة أهل العلم إلى تحريم هذا الفعل [3] ، ولم ير جوازه إلا بعض فقهاء المالكية منهم اللخمي [4] ، وردّ عليهم بعض فقهاء المذهب كابن العربي والقرطبي [5] .
ويناقش هذا الاستدلال: بأن قياس مسألة الأسير لدى الكفار على مسألة السفينة، وإن كان قويًا في ظاهر الصورة، إلا أنه بالتأمل يظهر أنه قياس مع الفارق.
ووجه ذلك أن مسألة الأسير من باب مسائل الجهاد المتعلقة بالمصالح العامة للأمة، والتي يغتفر فيها في التغرير بالنفوس ما لا يغتفر في غيرها، أما مسألة السفينة فليست من هذا
(1) أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله في الفقه الإسلامي 2/ 600
(2) ينظر ص: 171 من هذا البحث
(3) حاشية ابن عابدين 6/ 271، تفسير القرطبي 15/ 126، أحكام القرآن لابن العربي 4/ 31، نهاية المحتاج 7/ 366 - 367، أسنى المطالب 4/ 79 - 80، قواعد الأحكام 1/ 96، كشاف القناع 4/ 132، مطالب أولي النهى 4/ 95
(4) منح الجليل 7/ 514، أنوار البروق في أنواع الفروق 4/ 71
واللخمي هو: أبو الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي، قيرواني نزل سفاقس، وكان فقيهًا فاضلًا دينًا متفننًا ذا حظ من الأدب، طارت فتاويه وبقي بعد أصحابه فحاز رياسة أفريقية، له تعليق كبير على المدونة سماه التبصرة، ت:498هـ ... . ينظر: الديباج المذهب 1/ 203، شذرات الذهب 3/ 346، الأعلام 4/ 328
(5) تفسير القرطبي 15/ 126، أحكام القرآن لابن العربي 4/ 31