فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 409

الدليل الثالث: القياس على تعريض المجاهد نفسه للقتل باقتحامه صفوف العدو بجامع غلبة الظن في تحقيق النكاية بالأعداء، فإذا وجد هذا الوصف كان العمل مشروعًا، وإذا لم يوجد كان العمل ممنوعًا. [1]

ويناقش هذا القياس بأنه قياس مع الفارق، وليس كل وصف مشترك بين صور مختلفة يعد علة لحكمها، والقول بأن علة الحكم غلبة الظن في تحقيق النكاية بالأعداء، فيه نظر، لوجود الفرق بين الصورتين وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن سبب الهلاك في مسألة الاقتحام ليس حتميًا، بل هو محتمل، وقد ينجو المجاهد من الهلاك كما وقع في حوادث كثيرة. أما في صورة تفجير النفس للنكاية بالعدو فسبب الهلاك حتمي قطعي لا احتمال فيه.

الوجه الثاني: أن المجاهد في صورة الاقتحام إنما يقصد قتل أعدائه فيقتل بأيديهم، أما في هذه الصورة فالمجاهد يقصد قتل نفسه ليقتل غيره.

ويجاب عن الوجه الثاني بأن الفارق بين التسبب في القتل ومباشرة القتل غير مؤثر في الحكم، لأن التسبب في القتل كالمباشرة. [2]

وبيان هذا: أن الاقتحام على الأعداء نوع من التسبب في قتل النفس، والتسبب في قتل النفس مثل مباشرة قتلها، كما أن التسبب بقتل الغير مساوٍ لمباشرة قتل الغير. حتى إن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة أوجبوا القصاص على قاتل الغير بالتسبب كما يقتص من مباشر القتل [3] ، وخالف الحنفية فأوجبوا فيه الدية [4] .

(1) العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ص:44

(2) المصدر السابق ص:111

(3) حاشية الدسوقي 4/ 243، التاج والإكليل 8/ 306، الأم 6/ 7، مغني المحتاج 5/ 216، المغني 8/ 330، كشاف القناع 5/ 508 - 509

قلت: وقول الجمهور هو الصحيح في هذه المسألة، بل ولا يمكن أن تصلح أحوال الناس إلا به، إذ القول بعدم القصاص بالتسبب يفتح الباب لأهل الفساد. ...

ينظر في هذا: القتل بالسبب وآثاره في حقوق الله وحقوق العباد ص:116 - 122

(4) حاشية ابن عابدين 5/ 242، بدائع الصنائع 7/ 239، البحر الرائق 8/ 327

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت