فهرس الكتاب
والحاصل أن المعين على القتل والقاتل في الجناية سواء، إلا أن النصوص قد أخرجت المجاهد عن هذا الأصل بأدلة خاصة. [1]
فإذا رأينا أن الشارع أباح الاقتحام على العدو، وهو تسبب في قتل النفس في سبيل الله، كان هذا دليلًا على إباحة مباشرة تفجير النفس في سبيل الله لتساوي الأمرين في العلة، وهي كون بذل النفس في سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمة الله. [2]
قلت: بعد طول تأمل، يمكن أن تُناقَش مسألة التسبب والمباشرة مناقشة علمية بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن اشتراك السبب والمباشرة فيما يترتب عليهما من عقوبة القصاص لا يلزم منه اتفاقهما في أصل الفعل، وفي أحكامه الأخرى في جميع الأحوال، لأنه من المقرر أنه إذا اجتمع المتسبب والمباشر أضيف الأمر إلى المباشر. [3]
الأمر الثاني: أن أسباب القتل متفاوتة، وليست على درجة واحدة، فما كان منها تامًا في حصول النتيجة فإنه يعطى حكم المباشرة -حال عدم المباشرة- لاشتراكهما في نتيجة الفعل، وما لم يكن تامًا فإنه لا يكون كالملجيء، لعدم تمام تأثيره، وطروء الاحتمال عليه.
والاقتحام كما ذكرنا في الوجه الأول ليس سببًا حتميًا للهلاك بل هو محتمل، فلا يكون حكمه حكم المباشرة.
الأمر الثالث: أن التسبب في قتل النفس بالاقتحام إنما رخص فيه في باب الجهاد وطلب الشهادة فقط، فلا يقاس عليه المباشرة، لأن أحكام الجهاد من المصالح العامة التي يغتفر فيها من التغرير بالنفوس ما لا يغتفر في غيرها. أما ما لم يرخص فيه وهو المباشرة فإنه يبقى على
(1) هل انتحرت حواء أم استشهدت؟ ص:30
(2) العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ص:45
(3) غمز عيون البصائر 1/ 465، أنوار البروق في أنواء الفروق 2/ 208، المنثور في القواعد الفقهية ص: 136، شرح الكوكب المنير ص:139