فهرس الكتاب
ومرحب ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يَسْفُل له [1] فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي - يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال: فأتيت النبي - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر. قال رسول الله: من قال ذلك؟ قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: كذب [2] من قال ذلك، بل له أجره مرتين" [3] ."
وجه الاستدلال: قال الشيخ عبد العزيز الراجحي:"فإذا كان الصحابة أشكل عليهم كون عامر ارتد إليه ذباب سيفه بدون اختياره وقالوا بطل جهاده، فكيف بالذي يفجر نفسه باختياره" [4] .
قلت: يناقش هذا الاستدلال: بأنه ليس في هذا الحديث دلالة على المنع، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
1 -أن استشكال بعض الصحابة فعلَ عامر لم يكن بسبب كونه باشر قتل نفسه بدون اختياره، وإنما يحتمل أنهم خشوا أن يكون عامر قد بادر بقتل نفسه جزعًا وتسخطًا، كما تقدم في قصة الرجل الذي جزع فقتل نفسه، وهذا مما لا يختلف فيه أنه انتحار محرم، وهو الذي يليق بحالهم أن يخشوه على عامر.
2 -أن هذا الاجتهاد إنما صدر من بعض الصحابة، وقد أنكره الرسول -، وبيّن أنه فهم خاطيء، فكيف يستدل باجتهاد مردود غير صحيح على مسألة قتل النفس لمصلحة الدين والنكاية بالعدو وهي خارجة عن موضوع هذا الحديث.
3 -لو سلمنا أن الحكم بالمنع هو مؤدى فهم هؤلاء النفر من الصحابة فإن خطأهم فيها وارد كخطئهم في الحكم على عامر.
(1) يَسْفُل له: أي يضربه من أسفل. فتح الباري 7/ 466
(2) (كذب) أي أخطأ. فتح الباري 7/ 467
(3) تقدم تخريجه ص: 167 من هذا البحث
(4) الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص:175