واعترض عليه بأنه قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة ههنا. فقيل: الدية، وقيل: الكفارة، وقيل: الغم، وقيل، الشدة، وقيل: العيب. أما تفسيرها بالإثم فباطل لأنه تعالى أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا، ولا مأثم علينا فيما لم نعلمه، كما قال الله تعالى: - وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ - [1] ، فعلمنا أنه لم يرد المأثم. [2]
ولهذا رجح الطبري أن المراد بالمعرة: كفارة قتل الخطأ، لقوله تعالى: - فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ - [3] . [4]
وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بهذه الآية على تحريم قتل الترس من المسلمين لعدم دلالة الآية على الإثم، بل إنها من باب المباح على سبيل التخيير. [5]
قلت: وقد يجاب عن هذه الاعتراض من وجهين:
1 -أما القول بأن هذا لو وقع كان بغير علم منا ولا إثم علينا فيه، فلا يقتضي نفي الإثم، بل الظاهر أن المراد بغير علم منا بأعيان الموطوئين، لا بوجودهم واحتمال قتلهم.
2 -إن تفسير المعرة بالعيب والتعيير وإن كان وجيهًا، فإنه لا ينافي صحة القول بتحريم الفعل، وإذا كان الشارع قد راعى في الكف تعيير الكفار وذمهم، فإن مراعاة حرمة دماء المسلمين من باب أولى.
2)من المعقول: أن رمي الترس في هذه الحالة من باب الضرورة.
وبيان ذلك أن الأصل حرمة دم المسلم، فلا يحل قتله إلا للضرورة، والضرورة تقدّر
(1) [الأحزاب: 5]
(2) أحكام القرآن للجصاص 3/ 589 - 590
(3) [النساء: 92]
(4) تفسير الطبري 26/ 102
(5) قضايا فقهية في العلاقات الدولية ص:151، 152