وأجاب الشافعية: بأن بعض فقهائهم جوّز خروجها وحدها بغير امرأة كما سبق، ثم إنه لا يلزم من قولهم ترك الظاهر، لأن حقيقته أن لا يكون معها جوار أصلًا - والجوار الملاصق والقريب -. قالوا: ونحن لا نشترط في المرأة التي تخرج معها كونها ملازمة لها، فإن مشت قدام القافلة أو بعدها بعيدة عن المرأة جاز. [1]
قلت: هذا الجواب فيه تعسف وبعد عن ظاهر الحديث، لأن سياق الحديث وقوله: (لا تخاف أحدًا إلا الله) يدل على أن الظعينة ترتحل بمفردها، لكنها بسبب تمام نعمة الأمن لا تخاف أحدًا إلا الله.
وعلى كل حال فإنه على فرض التعارض بين الحديثين فإن أحاديث اشتراط المحرم أخص وأكثر صراحة من هذا الحديث المحتمل.
ولهذا قال ابن قدامة في معرض الرد على المبيحين:"واشترط كل واحد منهم في محل النزاع شرطًا من عند نفسه، لا من كتاب ولا من سنة، فما ذكره النبي - أولى بالاشتراط، ولو قدر التعارض، فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم" [2] .
2)القياس على وجوب هجرة المرأة إذا أسلمت - وهو مجمع عليه -، وسفر الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار. [3]
ونوقش هذا القياس من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق، لأن الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار، فإن سفرها سفر ضرورة، لا تقاس عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج فيها وحدها ; ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلًا. [4]
الوجه الثاني: يرى الأحناف أن المهاجرة والمأسورة لا تنشئان سفرًا، لأنهما لا تقصدان
(1) المجموع 8/ 311
(2) المغني 3/ 98
(3) المجموع 8/ 311، تبيين الحقائق 2/ 5
(4) المغني 3/ 98