فهرس الكتاب
ونوقش هذا الاستدلال بأن الحادثة واقعة حال لا دليل فيها، وذلك من عدة أوجه:
1 -ليس في الحديث ما يدل على أن النبي - رآها كاشفة عن وجهها وأقرها على ذلك، بل غاية ما فيه أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، فقد يسقط خمارها أو ينحرف عن وجهها من غير قصد، كما قال النابغة الذبياني:
سقط الخمار ولم ترد إسقاطه فتناولته واتّقتنا باليد. [1]
2 -أن قوله (سفعاء الخدين) فيه إشارة إلى قبح الوجه، لأن السُّفْعَة سواد وتغيُّر في الوجه من مرض أو مصيبة أو سفر، والمرأة الشوهاء التي لا تشتهى في معنى القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا [2] ، وعلى هذا لا يكون في الحديث دليل على المقصود. [3]
الدليل الرابع: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال أردف رسول الله - الفضل بن عباس [4] يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا، فوقف النبي - للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله - فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي - والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم" [5] ."
وجه الاستدلال: في الحديث دلالة أنه - أقر المرأة على كشف وجهها، فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عُرِفت أحسناء هي أم شوهاء. [6]
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
1 -ليس في شيء من روايات الحديث أن المرأة كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي - رآها كاشفة عنه فأقرها على ذلك، بل غاية ما فيه أنها كانت حسناء وضيئة، ومعرفة ذلك لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد. [7]
2 -أن في بعض طرق الحديث الأخرى ما يشير إلى: أن المرأة إنما كشفت وجهها لأن أباها عرضها على النبي - ليتزوجها، فيمكن أن يحمل الحديث على النظر للمخطوبة، أو المعروضة على الرجل للزواج منها.
قال ابن حجر - بعد أن ساق عدة طرق لهذا الحديث:"والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضًا والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرِّب ذلك ما رواه أبو يعلى [8] بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال:"كنت ردف النبي - وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله - رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي -
(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 6/ 598
وهذا البيت الذي استشهد به الشنقيطي للنابغة الذبياني، وقد ورد في ما وقفت عليه من المصادر بلفظ: سقط النصيف. كما في الأغاني 11/ 14، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة 4/ 706، طبقات فحول الشعراء 1/ 68
قلت: والمعنى واحد كما في الأغاني 11/ 14:"والنصيف الخمار". اهـ
(2) المغني 7/ 78
(3) أضواء البيان 6/ 599
(4) الفضل بن عباس (صحابي) : الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله -، كان أكبر إخوته وبه كان يكنى أبوه وأمه، غزا مع النبي - مكة وحنينًا وثبت معه يومئذ وشهد معه حجة الوداع وكان رديفه فيها، مات على الأصح في طاعون عَمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر وقيل: قُتِل يوم أجنادين في خلافة أبي بكر، وقيل باليرموك. ينظر: الطبقات الكبرى 4/ 54، تهذيب الأسماء 2/ 363، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 375
(5) رواه البخاري في كتاب الاستئذان برقم (6228) واللفظ له، ومسلم في كتاب الحج برقم (1334)
(6) المحلى 2/ 248
(7) أضواء البيان 6/ 600
(8) أبو يعلى: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي، الإمام العلامة القاضي شيخ الحنابلة، صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب، أفتى ودرس وتخرج به الأصحاب وانتهت إليه الإمامة في الفقه وكان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول، ت:458هـ.
ينظر: المقصد الأرشد 2/ 395، سير أعلام النبلاء 18/ 89، تذكرة الحفاظ 3/ 1134