فهرس الكتاب
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
1 -أنه معارض بما روي عن ابن مسعود وابن عباس - في تفسير المستثنى في الآية، فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي. [1]
ويجاب عنه بأنه من قول عائشة رضي الله عنها، وقول الصحابي ليس بحجة على غيره عند الاختلاف، لأن قول أحدهما ليس بأولى من قول الآخر.
2 -ما تقدم بيانه من أن المراد بالاستثناء في الآية هو ما ظهر من الزينة بنفسه، دون ما تقصد المرأة إظهاره. [2]
الدليل الثالث: المعقول. وبيانه: أن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها، والقدمان ظاهرتان ألا ترى أنهما يظهران عند المشي؟ فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما. [3]
ثم إن المرأة قد تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة، وربما لا تجد الخف في كل وقت. [4]
ونوقش: بأن استثناء النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها عند من أجازه إنما هو للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء، ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما. [5]
قلت: ومما يدل على عدم صحة القول بجواز كشف القدمين ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقالت أم سَلَمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا. فقالت: إذًا تنكشف أقدامهن. قال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه" [6] .
القول الثالث: وجوب ستر البدن كله. وهو القول الصحيح المفتى به عند الشافعية [7] ، والمذهب عند الحنابلة [8] .
ومن أهم أدلة هذا القول ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ مِنْ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [9] ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) - [10] .
وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) . أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة. [11]
(1) المصدر السابق 5/ 123
(2) ينظر ص: 254 من هذا البحث
(3) بدائع الصنائع 5/ 123
(4) المبسوط 10/ 153
(5) بدائع الصنائع 5/ 123
(6) رواه أحمد 2/ 55، وأبو داود في كتاب اللباس برقم (4117) ، والترمذي في كتاب اللباس برقم (1731) ، والنسائي في كتاب الزينة برقم (5336) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
وصححه الألباني في صحيح الترمذي 4/ 223
(7) مغني المحتاج 4/ 208 - 209، وينظر: أسنى المطالب 3/ 109 - 110، نهاية المحتاج 6/ 187 - 188
(8) كشاف القناع 1/ 266، الإنصاف 1/ 452، الفروع 1/ 601 - 602
(9) قال القرطبي في تفسيره 14/ 243:"الجلابيب: جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء، وقد قيل: إنه القناع، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وفي صحيح مسلم عن أم عطية قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: (لتلبسها أختها من جلبابها) "اهـ
قلت: بل الصحيح أنه يطلق على الثوب الذي يستر جميع البدن، ويطلق على غطاء الوجه كما قالت عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه. وسيأتي تخريجه ص: 265
(10) [الأحزاب: 59]
(11) رواه ابن جرير في تفسيره 22/ 46، وابن أبي حاتم في تفسيره 10/ 3154
والحديث فيه انقطاع لأنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس