ومما تجدر الإشارة إليه أنه في حال تعدد البلاد الإسلامية - كما هو الحال اليوم - فإن المعاهدة إنما تكون ملزمة بين أطراف المعاهدة فقط، وعلى هذا فإن الحربي الذي ينتمي إلى الدولة المعاهدة إنما يكون معاهدًا بالنسبة لمن هم تحت ولاية الدولة الإسلامية التي عقدت المعاهدة، بخلاف الدول الإسلامية الأخرى فإنه يبقى في حكم الحربي تجاه رعايا تلك الدول.
ومما يدل على هذا حادثة أبي بصير بعد صلح الحديبية: فعن المسور بن مخرمة - قال: خرج رسول الله - زمن الحديبية ... فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا ... فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ... ثم رجع النبي - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله - حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي - قال: قُتِل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال النبي: ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيْف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - تناشده بالله والرحم لَمَّا أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي - إليهم ... الحديث. [1]
ووجه الاستدلال: أن أبا بصير وأبا جندل ومن معهما قاما بمحاربة قريش والإغارة على قوافلها، مع أنه - قد صالح قريشًا على وضع الحرب. مما يدل على أن أبا بصير ومن معه لم يكونوا ملزمين بعهد النبي - ولا خاضعين لأحكام الدولة الإسلامية الإقليمية لأنهم كانوا خارج أراضيها، كما جاء في صلح الحديبية، ويدل على ذلك ما جاء في الرواية أن أبا بصير قال: (يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم) ، وأقره النبي - على هذا، ولقنه الفرار تعريضًا، وتمنى أن يكون معه آخرون لا يكون الصلح ملزمًا لهم جميعًا ينصرونه ويعينونه. [2]
فهذا يدل على أن صلح الحديبية إنما كان ملزمًا له - ومن كان تحت ولايته وفي حدود دولته الإقليمية، أما أبو بصير ومن معه فإنهم كانوا في حالة حرب مع قريش وكانوا خارج الأراضي الإسلامية، فلهذا لم يلزمهم مقتضى الصلح.
3)المستأمَنون:
جمع مستأمَن، ويراد بالمستأمِن (بالكسر) الكافر طالب الأمان، و بالمستأمَن (بالفتح) الذي يعطى الأمان فإذا أعطي الأمان اكتسب هذه الصفة.
والأمن أو الأمان في اللغة: معروف، وهو ضد الخوف. [3]
وأما عند الفقهاء فيعرف الأحناف والمالكية والشافعية المستأمن بأنه: الحربي إذا دخل دار الإسلام بأمان. [4]
وعند الحنابلة هو:"الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها" [5] .
والحاصل مما تقدم من تعريفات المستأمن أنه: (كل حربي يدخل بلاد الإسلام بأمان مؤقت) .
وبيان ذلك: أن المستأمنين هم غير المسلمين الذين يدخلون دار الإسلام بأمان مؤقت لأمر يقضيه أحدهم ثم ينصرف بانقضائه، دون أن يكون ملتزمًا بأحكام الإسلام أو الذمة بعامة
(1) تقدم تخريجه ص: 64 من هذا البحث
(2) فتح الباري 5/ 350
(3) ينظر مادة (أمن) في: لسان العرب 13/ 21، القاموس المحيط 1/ 1518، مختار الصحاح 1/ 11
(4) بدائع الصنائع 7/ 110، الشرح الكبير 2/ 182، تحرير ألفاظ التنبيه 1/ 325
(5) أحكام أهل الذمة 2/ 874