فهرس الكتاب
ونوقش هذا الاستدلال بأن الآية عامة مخصوصة بالأدلة الخاصة الواردة في النهي عن قتل هؤلاء، وبالقياس على المرأة، وتقدما آنفًا. [1]
الدليل الثاني: عن سمرة بن جندب [2] - قال: قال رسول الله:"اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شَرْخهم [3] " [4] .
وجه الاستدلال: الحديث نص في الأمر بقتل شيوخ الكفار مطلقًا، وترك غلمانهم وهم المراهقون الذين لم يبلغوا. [5]
ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
1 -أن الحديث ضعيف الإسناد، فلا يصح الاحتجاج به كما ذكر ابن حزم مع أنه ممن يقول بجواز قتل شيوخ الكفار. [6]
2 -أنه لا تعارض بين هذا الحديث - على فرض صحته - ويبن أحاديث النهي عن قتل الشيوخ، فيحمل هذا الحديث على الشيخ الذي يطيق القتال أو يكون له رأي فيه، بدليل ذكره في مقابل الغلام الذي لم ينبت، فيكون معنى الحديث: النهي عن قتل الصغير الذي لم ينبت، والأمر بقتل الكبير ومنه الشيخ الذي يطيق القتال، بخلاف الهرم أو الفاني كما جاء في الأحاديث الأخرى.
قال ابن قدامة:"وأما حديثهم، فأراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال أو معونة عليه برأي أو تدبير، جمعًا بين الأحاديث" [7] .
3 -أن أحاديث تحريم قتل الشيوخ خاصة في الهرم، وهذا الحديث عام في الشيوخ كلهم، والخاص يقدم على العام. [8]
الدليل الثالث: عن عطية القُرَظي [9] - قال: عُرِضنا على النبي - يوم قُرَيظة فكان من
(1) المصدر السابق 9/ 250
(2) سمرة بن جندب (صحابي) : سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، من علماء الصحابة، وله أحاديث صالحة، نزل البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، وكان شديدًا على الخوارج فكانوا يطعنون عليه، ت:58هـ، وقيل59هـ. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 653، سير أعلام النبلاء 3/ 183، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 178
(3) قال ابن الأثير في النهاية2/ 457:"أراد بالشيوخ: الرِّجَال المَسانّ أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهَرمَى، والشَّرْخُ: الصّغار الذين لم يُدْرِكوا".
(4) رواه أحمد 5/ 12، وأبو داود في كتاب الجهاد برقم (2670) ، والترمذي في كتاب السير برقم (1583) وقال:"هذا حديث حسن صحيح غريب"، وابن أبي شيبة في المصنف 6/ 485، والطبراني في الكبير 7/ 216، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 92
والحديث فيه علتان:
العلة الأولى: أنه من رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب وهي مختلف فيها بين أهل الحديث، فذهب بعضهم أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة الذي جاء في البخاري. جامع التحصيل 1/ 92، نصب الراية 3/ 386
ويرى آخرون كالبخاري أن سماع الحسن من سمرة صحيح. التاريخ الأوسط 1/ 247، تهذيب الكمال 6/ 98، سير أعلام النبلاء 3/ 184
العلة الثانية: فيه قتادة بن دعامة السدوسي: وهو على إمامته موصوف بالتدليس. تهذيب الكمال 23/ 498، جامع التحصيل 1/ 254، ميزان الاعتدال 5/ 466
ونقل ابن حجر أن قتادة من الطبقة الثالثة من المدلسين، وهم مَن أكثرَ من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع. طبقات المدلسين 1/ 43
وقد روى الحديث معنعنًا ولم يصرح بالتحديث.
وقد صحح الترمذي هذا الحديث كما تقدم. وخالفه عبد الحق الإشبيلي فضعفه. خلاصة البدر المنير 2/ 343، وممن ضعفه كذلك ابن حزم في المحلى 5/ 350 - 351، وضعفه من المتأخرين الألباني كما في ضعيف سنن أبي داود ص:204
(5) أسنى المطالب 4/ 190
(6) المحلى 5/ 350 - 351
(7) المغني 9/ 250
(8) المصدر السابق
(9) عطية القُرَظي (صحابي غير مشهور) : قال ابن عبد البر: لا أقف على اسم أبيه وأكثر ما يجىء هكذا عطية القرظي، كان من سبي بنى قريظة ووجد يومئذ ممن لم ينبت فخلى سبيله، ولا يعرف له غير حديثه يومئذ.
ينظر: تهذيب الكمال 20/ 157، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/ 1072، تهذيب الأسماء 1/ 308، الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 512