فهرس الكتاب
الدليل الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن أعمى كانت له أم ولد -غير مسلمة [1] -تشتم النبي - وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي - وتشتمه فأخذ المِغْوَل [2] فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلَطَّخَت ما هناك بالدم [3] ، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله -، فجمع الناس فقال: أَنْشُد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي - فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي: ألا اشهدوا أن دمها هدر" [4] .
وجه الاستدلال: في إقراره - الرجل على فعله وإهداره دم المرأة دليل على أن الذمية إذا لم تكف لسانها عن الله ورسوله فلا ذمة لها، ويجوز قتلها. [5]
قلت: وإذا كان هذا في المرأة من أهل الذمة، فالمرأة من أهل الحرب من باب أولى.
الحالة الثالثة] في الإغارة على العدو إذا لم يمكن التمييز بين من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله:
كما في التبييت، وشن الغارات ليلًا ونهارًا، والرمي بالأسلحة التي تقتل الجماعات كالمنجنيق، والصواريخ، والقنابل، وغيرها من الأسلحة الحديثة.
وقد اختلف العلماء في جواز قتل المدنيين الحربيين في هذه الحالة، على قولين:
القول الأول: الجواز. وهو قول عامة أهل العلم، ومنهم الأحناف والمالكية -وهو الصحيح من مذهبهم على تفصيل عندهم- والشافعية والحنابلة. [6]
ومن أدلة القول الأول ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: - فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) - [7] .
وجه الاستدلال: في قوله تعالى: (واحصروهم) دليل على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم وإن كان فيهم من لا يجوز قتله من النساء والصبيان. [8]
الدليل الثاني: روى البخاري ومسلم عن الصَّعْب بن جَثّامة [9] - قال: سمعت رسول الله - يُسأل عن الديار من ديار المشركين فقال:"هم منهم". هذا لفظ البخاري، وعند
(1) عون المعبود 12/ 11
(2) المِغْوَل: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد. لسان العرب مادة (غول) 11/ 510
(3) المعنى أنه لما طعنها في بطنها وقع ولدها بين رجليها فلوّثت ما هناك من الفراش. عون المعبود 12/ 11
(4) رواه أبو داود في كتاب الحدود برقم (4361) ، والنسائي في كتاب تحريم الدم برقم (4070) ، والطبراني في المعجم الكبير 11/ 351، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/ 44
(5) عون المعبود 12/ 11
(6) المبسوط 10/ 32، شرح معاني الآثار 3/ 223، حاشية الدسوقي 2/ 177، منح الجليل 3/ 149، الأم 4/ 252 - 253، مغني المحتاج 6/ 30، المغني 9/ 230، الإنصاف 4/ 126
وعلى التفصيل فإن في مذهب المالكية في هذه المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجوز أن يرموا بالنار ويغرقوا بالماء ويرموا بالمجانيق وهو قول أصبغ.
والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك وهو قول ابن القاسم.
والثالث: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ويغرقوا بالماء، ولا يجوز أن يرموا بالنار، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق، ولا يجوز أن يغرقوا، وهو مذهب مالك في المدونة. منح الجليل 3/ 149
(7) [التوبة: 5]
(8) أحكام القرآن للجصاص 3/ 121
(9) الصَّعْب بن جَثَّامة (صحابي) : الصعب بن جثامة بن قيس بن ربيعة الليثي حليف قريش، هاجر إلى النبي - وعداده في أهل الطائف، وقد روي أنه شهد فتح إصْطَخْر -بلدة بفارس-، اختلف في وفاته فقيل إنه مات في خلافة أبي بكر، وقيل في آخر خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان ... . ... ينظر: الثقات 3/ 195، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 739، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 426