فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 409

فالاحتياط لدماء المسلمين أولى من الاحتياط لمن لا يجوز قتله من الكفار. [1]

القول الثاني: منع وتحريم رمي الترس من الحربيين المدنيين إلا حال الضرورة. وهو قول المالكية [2] ، وخلاف المعتمد عند الشافعية [3] .

ومن أدلة القول الثاني ما يلي:

الدليل الأول: علل المالكية عدم جواز قتل النساء والذراري بالتعليل المتقدم في الحالة السابقة وهو: مراعاة حق الغانمين.

قال الخِرَشي [4] :"العدو إذا تترسوا بذراريهم أو بنسائهم بأن جعلوهم ترسًا يتقون بهم فإنهم يتركون لحق الغانمين إلا أن يخاف منهم فيقاتلوا حينئذ" [5] .

ونوقش هذا الاستدلال بما تقدم ذكره، وهو أن حق الغانمين المذكور لا يصح أن يعارض المقصود من الجهاد.

الدليل الثاني: يعلل الشافعية -في القول غير المعتمد- عدم جواز رميهم، بأنه لو جاز رميهم لأدى إلى قتلهم من غير ضرورة وقد نهينا عن قتلهم. [6]

ونوقش هذا الاستدلال بأنه لا ريب أننا منهيون عن قتلهم ابتداءً كما تقدم. وأما قتلهم في هذه الحالة فإنه إنما يكون تبعًاَ، وفي حال لا يمكن التوصل فيه إلى قتل من يجوز قتله إلا بهذا العمل، وبهذا التفريق يمكن الجمع بين نصوص النهي عن قتلهم، والنصوص التي ورد فيها قتلهم كما تقدم. [7]

الترجيح

بالنظر في أدلة القولين يتبين أن الراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز رمي المقاتلين الحربيين حال تترسهم بمدنييهم، بحيث يقصد بالرمي المقاتلين دون المدنيين. نظرًا لقوة أدلة هذا القول، وتمشيه مع مقاصد الجهاد في الشريعة.

الحالة الخامسة] المعاملة بالمثل:

صرح عدد من أهل العلم بجواز رد اعتداء المعتدي بمثل اعتدائه، وإن كان ابتداؤه لهذا الفعل غير مشروع.

قال الباجي:"وأما ضرب أوساط رءوسهم بالسيف فلا يجوز ذلك إلا قبل الأسر لهم في نفس الحرب، وأما بعد أسرهم والتمكن منهم فلا ينبغي أن يمثل بهم ولا يعبث في قتلهم، ولكن تضرب أعناقهم صبرًا إلا أن يكونوا قد فعلوا بالمسلمين على وجه التمثيل فيعمل بهم مثله" [8] .

وقال ابن تيمية:"فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما: ما خطبنا رسول الله - خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم ما فعلوا، والترك أفضل" [9] .

وقال ابن القيم:"وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيًا عنها، فقال تعالى: - وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا (( (( (( (( (( بِهِ [10] ، وهذا دليل"

(1) تحفة المحتاج 6/ 31

(2) شرح الخرشي على خليل 3/ 114

(3) تحفة المحتاج 6/ 31

(4) الخِرَشي: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخِرَشي نسبة إلى خِرَشة من قرى مصر، وقيل الخَرَشي بفتحتين، وقيل: الخَرَاشي نسبة الى قرية بمصر يقال لها أبو خَرَاش، كان فقيها فاضلًا ورعًا، ومن كتبه الشرح الكبير على متن خليل في فقه المالكية، ومنتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة، ت:1101هـ.

ينظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر ص:62، الأعلام 6/ 240ـ241

(5) شرح الخرشي على خليل 3/ 114

(6) تحفة المحتاج 6/ 31

(7) شرح معاني الآثار 3/ 223

(8) المنتقى شرح الموطأ 3/ 168

(9) السياسة الشرعية /110

(10) [النحل: 126]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت