على أن العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان، والمثل هو العدل" [1] ."
ومن الأدلة على جواز المعاملة بالمثل ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: - الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ - [2] .
الدليل الثاني: قوله تعالى: - وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) - [3] .
الدليل الثالث: قوله سبحانه وتعالى: - وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) - [4] .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبِيَنَّ عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: - وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) -. فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله: كُفُّوا عن القوم إلا أربعة. [5]
قال القرطبي:"أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد" [6] .
وقال أبو بكر الجصاص في هذه الآية:"نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا اعتبار عمومها في جميع ما انتظمه الاسم، فوجب استعمالها في جميع ما انطوى تحتها" [7] .
وقد اختلف أهل التفسير في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟
واختار الطبري أنها محكمة، وأن الأمر فيها لمن عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عاقب به إن اختار عقوبته، وأن الصبر على ترك عقوبته خير له. [8]
الدليل الرابع: من السنة: ما في الصحيحين عن أنس:"أن ناسًا من عُكَل وعُرَينة قدموا المدينة على النبي - وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا [9] المدينة فأمر لهم رسول الله - بذَودٍ [10] وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي - واستاقوا الذود. فبلغ النبي - فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسَمَروا أعينهم"
(1) حاشية ابن القيم 12/ 180
(2) [البقرة: 194]
(3) [الشورى: 39 - 40]
(4) [النحل: 126]
(5) رواه أحمد 5/ 135، و الترمذي في كتاب تفسير القرآن برقم (3129) وقال:"هذا حديث حسن غريب"، وابن حبان 2/ 239، والحاكم 2/ 391 وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، والطبراني في الكبير 3/ 143، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 3/ 351، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/ 266: حسن صحيح الإسناد
(6) تفسير القرطبي 10/ 201
(7) أحكام القرآن للجصاص 3/ 286
(8) قال الطبري في تفسيره بعد أن ذكر أقوال أهل التأويل 14/ 197:"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقِب من عاقبه بمثل الذي عوقب به إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته على ما كان منه إليه خير، وعزم على نبيه - أن يصبر. وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه محتملتها الآية كلها، فإذا كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عني بها من خبر ولا عقل؛ كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه وأن يقال هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قِبَل غيرهم من حق من مال، أو نفس الحق الذي جعله الله لهم إلى غيره".
(9) استوخموا المدينة: أي استثقلوها ولم يوافق هواؤها أَبدانهم. لسان العرب مادة (وخم) 12/ 631
(10) الذَّود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل ما بين الثلاث إلى العشر. النهاية 2/ 171