فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 409

قال الشافعي:"وإذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبعد دارهم، أو كثرة عددهم أو خَلَّة بالمسلمين، أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين، وإن أعطاهم المشركون شيئًا قل أو كثر كان لهم أخذه" [1] .

وقال ابن قدامة:"أقل ما يفعل [أي الجهاد] مرة في كل عام ... إلا من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون ينتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال" [2] .

ومن الأدلة على هذا:

1)النظر في تدرج مشروعية الجهاد في العهدين المكي والمدني. [3]

فإن الله تعالى لما بعث رسوله - في مكة أمره بتبليغ الدين، والإعراض عن الكافرين، وحرم عليه وعلى أصحابه - القتال في الفترة المكية، حيث كانوا أذلة مستضعفين، ليس لهم شوكة ولا منعة، فكان يقال لهم: - (( (( (( (( (أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ - [4]

فلما هاجروا إلى المدينة واشتد عودهم وقويت شوكتهم، وحصلت لهم قوة العدد والعتاد والمنعة بالدار، وكان بإمكانهم المواجهة والقتال؛ أذن الله تعالى لهم بقتال من قاتلهم فقال تعالى: - أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) - [5] . [6]

قال الشافعي في معرض تعليله لفرض الجهاد:"ولما مضت لرسول الله - مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعة باتباعه حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض الله تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضًا" [7] .

وإذا كان الجهاد لم يشرع إلا لمصلحة إعلاء كلمة الله وإعزاز دين الله وكسر شوكة الكافرين، فإن هذه الغاية تتطلب وجود قوة تحصل بها مقاومة العدو.

يقول د. محمد خير هيكل:"وظاهرٌ أن هذا التدرج في حكم القتال إنما كانت تقتضيه حال الدولة الإسلامية الناشئة، وحالة الجيش الإسلامي الذي كان يأخذ في التكوين من حيث العدد والعدة والتدريب وما إلى ذلك ... إلى أن يصلب عود الدولة الإسلامية ويشتد بأس القوة الإسلامية، بحيث تستطيع الصمود أمام قوى الكفر في الجزيرة العربية فيما لو عملت قريش على تأليبها ضد المسلمين" [8] .

2)عموم قواعد الشريعة التي ترفع التكليف عن الفرد والأمة في حال عدم الاستطاعة.

وقد جاء في السير الكبير وشرحه:"ولا ينبغي أن يدع المشركين بغير دعوة إلى الإسلام، أو إعطاء جزية إذا تمكن من ذلك ; لأن التكليف بحسب الوسع" [9] .

3)قول الله تعالى: - الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) - [10] .

وجه الاستدلال: أن الشارع راعى حالة الضعف التي قد تعتري الأمة، فلم يوجب على المسلمين أن يثبتوا في المعركة إذا كان عدد الأعداء أكثر من ضعفي قوة المسلمين. [11]

(1) الأم 4/ 199

(2) المغني 9/ 164

(3) ينظر في التدرج في فرض الجهاد: المبسوط 10/ 2، شرح السير الكبير 1/ 188، تفسير القرطبي 12/ 69، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 143 - 144، الأم 4/ 170، تحفة المحتاج 9/ 211 - 212، زاد المعاد 3/ 69 - 70

(4) [النساء: 77]

(5) [الحج: 39]

(6) زاد المعاد 3/ 69 - 70

(7) الأم 4/ 170

(8) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1/ 463

(9) شرح السير الكبير 1/ 189

(10) [الانفال: 66]

(11) بدائع الصنائع 7/ 98 - 99، الفتاوى الهندية 2/ 193، التاج والإكليل 4/ 546، منح الجليل 3/ 152، مغني المحتاج 6/ 35، كشاف القناع 3/ 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت