فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 409

ويناقش هذا الدليل بأنه لا دليل فيه على عدم استئذان الإمام، لأن الخطاب في الأصل للنبي - وهو الإمام، والناس له تبع.

وإنما المراد بالآية أن المسلمين كانوا سراعًا إلى القتال قبل أن يفرض القتال، فلما أمر الله سبحانه بالقتال تولى عنه قوم، فقال الله تعالى لنبيه: قد بلغت. قاتل وحدك {لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} فسيكون منهم ما كتب الله من فعلهم. [1]

2)قوله تعالى: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) - [2] .

وقوله تعالى: - انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) - [3] .

وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى أمر في هذه الآيات بالنفير مطلقًا، ولم يقيد الأمر بإذن الإمام.

ويناقش هذا الاستدلال بأن الأمر المطلق في هذه الآيات مقيد بالأدلة الأخرى التي أوجبت استئذان الإمام، وجعلت الاستنفار موكولًا إليه، كما يشير إليه قوله تعالى في سياق الآية الثانية: - إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ -، والمطلق يحمل على المقيد كما هو معلوم.

3)حادثة أبي بصير [4] بعد صلح الحديبية، وهي قصة طويلة مليئة بالفوائد والدروس، ولعلي أورد منها ما يتعلق بالموضوع.

عن المسور بن مخرمة [5] - قال: خرج رسول الله - زمن الحديبية ... فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا ... فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ... ثم رجع النبي - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله - حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال النبي: ويل أمه مِسْعَر حرب [6] لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيْف البحر [7] . قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل [8] فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت

(1) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 586

(2) [النساء: 71]

(3) [التوبة: 41]

(4) أبو بصير (صحابي) : عتبة بن أَسِيد بن جارية بن أَسِيد الثقفي حليف بني زهرة، مشهور بكنيته، قصته مشهورة بعد صلح الحديبية، وتوفي بعد صلح الحديبية سنة ست وقبل فتح مكة سنة ثمان، وذلك عندما كتب النبي - إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه، فورد الكتاب وأبو بصير يموت فمات وكتاب النبي - في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/ 1612، تهذيب الأسماء2/ 471، الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 433

(5) المسور بن مخرمة (صحابي) : أبو عبد الرحمن وأبو عثمان المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، الإمام الجليل، قدم دمشق بريدًا ممن يلزم عمر ويحفظ عنه، وقد انحاز إلى مكة مع ابن الزبير وسخط إمرة يزيد فمات في الحصار، قيل أصابه حجر المنجنيق فانفلقت منه قطعة أصابت خده وهو يصلي فمرض ومات، ت:64هـ. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/ 1399، سير أعلام النبلاء 3/ 390، الإصابة في تمييز الصحابة 6/ 119

(6) مِسْعَر حرب: أي يسعرها، كأنه يصفه بالاقدام في الحرب والتسعير لنارها. فتح الباري 5/ 350

(7) سِيْف البحر: بكسر السين وسكون الياء، أي ساحله. وعيّن بن إسحاق المكان فقال: حتى نزل العِيص، وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام. وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل. فتح الباري 5/ 350

(8) أبو جندل بن سهيل (صحابي) : أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، قيل: اسمه عبد الله، وكان من السابقين إلى الإسلام وممن عُذِّب بسبب إسلامه كما جاء في قصة الحديبية، ت:18هـ في طاعون عَمواس

ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/ 1621، سير أعلام النبلاء 1/ 192، الإصابة في تمييز الصحابة 7/ 69

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت