2 -أن الأصل في السياسات العامة التي يقصد منها تحقيق المصالح العامة للأمة أنه يرجع فيها إلى الإمام، ولهذا يعد تصرف النبي - في هذا الباب تصرفًا بطريق الإمامة، لا بطريق الرسالة ولا القضاء ولا غيرها، وإذا ثبت أن هذا التصرف من خصائص الإمامة فإنه يرجع فيه إلى الأئمة، ومن ثم يجب استئذانهم قبل الإقدام عليه.
قال القرافي:"فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في القرى والمعادن، ونحو ذلك: فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر، لأنه - إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان شرعًا مقررًا لقوله تعالى - وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) - [1] " [2] .
3 -العمل بسد الذرائع، فإنه لا يصلح الناس إلا هذا، ولو كان الجهاد بيد كل فرد من أفراد الأمة لترتب عليه مفاسد ظاهرة بسبب الفوضى، وظهور الاختلاف والنزاع في الأمة، وهذا مما أوجبت الشريعة دفعه، وعنيت بحسم مادته، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
نقل الحطاب [3] في مواهب الجليل عن الشيخ أحمد زرّوق [4] أنه قال في بعض وصاياه لإخوانه:"التوجه للجهاد بغير إذن جماعة المسلمين وسلطانهم فإنه سُلَّم الفتنة وقلما اشتغل به أحد فأنجح" [5] .
قلت: ومن حكمة الشارع أنه أناط أمر الجهاد بالإمام، لأنه أولى بتقدير ميزان القوى، وسير المعارك، وآثارها، ولم يترك ذلك للأفراد الذين قد يتقدمون الحاكم بفعل، تكون جريرته على المسلمين عامة، ويجروا على المسلمين الويلات من حيث لا يشعرون.
الحالات المستثناة التي يجوز فيها جهاد الطلب دون إذن الإمام:
استثنى الفقهاء بعض الحالات التي يجوز فيها الخروج لجهاد الطلب دون إذن الإمام، منها:
1)أن يترتب على إذن الإمام فوات مصلحة ظاهرة:
وقد ذكر الفقهاء أمثلة لهذه الحالة، منها:
أ - أن يترتب على الإذن فوات فرصة للنكاية بالعدو.
وقد نص على هذا المالكية [6] والشافعية [7] والحنابلة [8] .
ب - أن يترتب على الإذن حصول ضرر بالمسلمين كأن يتقوى العدو بوصول المدد.
ونص عليه الأحناف [9] ، فإذا علم المسلمون أنهم يتضررون بترك القتال كأن يتقوى عدوهم بوصول المدد إذا تركوا قتاله فلا إذن للإمام.
ومن الأدلة على ذلك:
ما رواه سلمة بن الأكوع [10] - قال:"خرجت من المدينة ذاهبًا نحو الغابة [11] حتى إذا"
(1) [الأعراف: 158]
(2) الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ص:108
(3) الحطاب: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الرَّعِيني، المعروف بالحطاب، أحد العلماء المتصوفين، من فقهاء المالكية، ولد واشتهر بمكة، وانتقل إلى طرابلس الغرب وما فيها، من مؤلفاته: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام، ت:954هـ. ... ينظر: كشف الظنون 2/ 1628، الأعلام 7/ 58
(4) أحمد زرّوق: أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرسلي ثم الفاسي، المشهور بأحمد زرّوق، ارتحل إلى الديار المصرية وجاور بالمدينة، وكان يميل إلى التصوف، من مؤلفاته: شرح الأسماء الحسنى، تأسيس القواعد والأصول، ت:899هـ. ينظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1/ 222، كشف الظنون 2/ 1032
(5) مواهب الجليل 3/ 350
(6) المصدر السابق 3/ 349
(7) حاشية قليوبي وعميرة 4/ 218
(8) الإنصاف 4/ 151
(9) الفتاوى الهندية 2/ 192
(10) سلمة بن الأكوع (صحابي) : أبو عامر وأبو مسلم ويقال أبو إياس، سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي الحجازي المدني، وهو من أهل بيعة الرضوان، روى عدة أحاديث، ولما قُتِل عثمان خرج إلى الرَّبَذة وتزوج هناك امرأة فولدت له أولادًا، وقبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة، ت: 74هـ وكان من أبناء التسعين. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 639، سير أعلام النبلاء 3/ 326، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 151
(11) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة. معجم البلدان 4/ 182