فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 409

كنت بثنية الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، قلت: ويحك ما بك؟ قال: أخذت لِقَاح النبي -. قلت: من أخذها؟ قال: غَطَفان وفَزَارة. فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه [1] ، يا صباحاه، ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها فجعلت أرميهم وأقول:

أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضَّع [2]

فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا، فأقبلت بها أسوقها، فلقيني النبي -، فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم فابعث في إثرهم. فقال: يا ابن الأكوع ملكت فأَسْجِحْ [3] ، إن القوم يُقْرَون [4] في قومهم" [5] ."

وجه الاستدلال: في الحديث دلالة على عدم وجوب الإذن إذا ترتب عليه فوات فرصة للنكاية بالعدو نظرًا لضيق الوقت، وبعد محل الإمام. فإن سلمة لم يكتف برد القوم فحسب، بل اشتد في طلبهم دون إذن لمصلحة ظاهرة تفوت بالتأخير وهي استرجاع ما استولوا عليه من الأموال.

قلت: ومما يؤيد هذا الاستثناء أن النكاية بالعدو وكسر شوكته تقوم في الغالب على المباغتة واقتناص الفرصة المناسبة متى ما سنحت دون تأخير، فناسب أن يبادر إليها بقدر ما يحقق المصلحة، إلا أن يصدر منع من الإمام، فإنه أقرب لتقدير المصلحة.

(1) يا صباحاه: كلمة تقولها العرب إِذا نَذِرَتْ بغارة من الخيل تَفْجَؤُهم صَباحًا، أو إِذا صاحوا للغارة لأَنهم أَكثر ما يُغيرون عند الصباح. لسان العرب مادة (صبح) 2/ 505

(2) الرُّضَّع: جمع راضع وهو اللئيم، فمعناه اليوم يوم اللئام، أي اليوم يوم هلاك اللئام. فتح الباري 7/ 462

(3) مَلكتَ فأسْجح: أي قدَرْت فسهّل وأحسن العفو، وهو مثل سائر. لسان العرب مادة (سَجَحَ) 2/ 475، و النهاية مادة (سَجَحَ) 2/ 342

(4) القِرى: الضيافة. القاموس المحيط مادة (قَرَى) 1/ 1706

(5) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير برقم (3041) ، ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم (1806)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت