فتجد بعض الناس إذا تكلم تقول: هذا من الجنوب، أو تقول: هذا من الشمال، هذا من العراق، هذا من كذا، لكن إذا أتيت بشخص إنجليزي، أو شخص بعيد تقول له: هذا من كذا، يعجب ويحتار كيف تميز هؤلاء؟ أنت عندك الأمر بسيط أو ليس كذلك؟ كذلك تجد عند الحفاظ الكبار ملكة قوية جدًا تقف لديها، فلذلك أنت حينما ترد كلام أبي حاتم و أبي زرعة لأن أحدًا منهم لم يبرهن على قوله، فهو كرد الأعجمي حينما تميز له الجنوبي والشرقي والعراقي من غيره، وتقول: الجرح لا يقبل إلا مفسرًا، وتحتاج إلى بينة، وهذا هو الفرق بين طريقة الأوائل، وبين طريقة المتأخرين. أنت تريد أن يأتي لك ببرهان أن هذه اللهجة عراقية، وهو لا يستطيع أن يبرهن لك، لماذا؟ لأنه يحتاج إلى قاموس كامل، وإلى برنامج صوتيات كامل حتى يفرز لك فهذا قد ملكه على مدى عشرين أو ثلاثين سنة. كذلك أيضًا بالنسبة للنظر، تجد الإنسان إذا نظر يستطيع أن يميز أن هذا من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا. وهذا من بلدة كذا، ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم أن يكثر حفظًا للسنة، فإذا أكثر حفظًا للسنة وأخذًا لها، واستوعبها، فإنه يستطيع أن يميز، فالأئمة الأوائل كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث، فإذا جاءهم حديث يند عما لديهم استطاعوا أن ينكروه، وإذا جاءهم حديث يوافق ما لديهم، لكنه ليس عندهم توقفوا، فأصبح عندهم نوع من التوقف، يقول: هذا ليس عندي، من أي بلدة؟ من بلدة كذا، يقول: أنا دخلت هذه البلدة، وسمعت ما فيها من أحاديث، إذًا لم ينكره من جهة التركيب اللفظي، ولم ينكره من جهة الحكم، ولكن توقف؛ لأنه لم يوافق ما لديه.