وأما رواية المبتدع فينبغي أن نعلم أن العلماء عليهم رحمة الله يحذرون من الرواية عنه، وذلك تحذيرًا من تكثير سواده، أو ربما من دسائس المبتدعة في رواياتهم، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في الرواية عن المبتدع على عدة أقوال: فذهب قوم إلى عدم الرواية عن المبتدع، وحكي هذا القول قولًا لجمهور العلماء، وقالوا: إن المبتدع الذي وقع في بدعة لا يؤمن عليه من إدخال الحديث المكذوب بما يؤيد قوله. القول الثاني: يقبل حديث المبتدع ما لم يكن داعية إلى بدعته، فإذا لم يكن داعية فتقبل روايته في ذلك إذا كان ثقة صادقًا، وهذا القول ذهب إليه جماعة من العلماء، والمعروف في صنيع الأئمة عليهم رحمة الله في ذلك أنهم يحذرون من الداعية إلى البدعة خشية من تكثير سواده، أو ربما يروي الحديث بالمعنى من غير قصد ولو كان صادقًا؛ لأن المذاهب لها أثر على الأقوال والآراء، وكذلك الحجج، ولهذا كثير من الناس ينظر إلى نصوص الكتاب والسنة ويستنبط منها معنى شاذًا لا يستقيم مع فهم السلف، ولهذا يحذرون من ذلك، ولكن ينبغي أن نقول: إن المبتدع الداعية وغير الداعية أثر الحديث عليه واحد في ذاته، أما الداعية وإن وجد فيه شراهة في الدعوة إلى قوله، ونقل الحديث ونحو ذلك، فالتأثير من جهة البدعة، فقد يوجد مبتدع متحمس لبدعته أعظم من مبتدع يدعو إلى بدعته، وذلك لشدة تعصبه، لكنه لم يؤتَ طريقة في الدعوة إلى بدعته.