والضبط على مراتب: منهم من هو حافظ ودقيق، كالأئمة الكبار من الرواة، سواءً كانوا من طبقة الصحابة فإنهم أهل ضبط، لكونهم أمة أمية لا يعتمدون على الكتابة، وكلما اعتمد الإنسان على مسموعه، فهو أضبط لمسموعه من مكتوبه، وإذا أشرك الإنسان مسموعه مكتوبًا، فإنه يضعف قدرته على الحفظ والضبط؛ وذلك لأنه قسم ذاكرته بين مسموع ومكتوب، ولهذا الأمي يحفظ من القول ما لا يحفظه الشخص الذي يعتمد على الكتابة، فالعرب كانت شديدة الحفظ قبل تعلم الكتابة، فلما تعلمت الكتابة شارك القلم الذهن، فسلبه نصيبًا وافرًا من ذلك، ولهذا يقال: إذا أردت أن تحفظ فاكسر القلم، الكثير من الناس يعتمد على القلم في كتابة أدنى شيء، فإذا قلت له: رقم سبعة، أخرج القلم والورقة، وكتب سبعة، ثم وضعها في جيبه، وهذا مشاهد إذًا: أفرغ ذهنه، فعطل في هذا، ولهذا ضعف الحفظ. ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يعتاد في جانب الحفظ، أن يعتاد على التقليل من القلم وألا يدون إلا ما احتاج إليه، فإنه يعتاد فسينس، ويتحسر على ما فاته، لكن لو استدام على مثل هذا تمرس وضبط، وإذا اعتمد على مكتوبه ولو الشيء اليسير ضعف لديه الحفظ، ولهذا كان الصدر الأول لديهم ملكة جبلية، كالصحابة، مع وجود الوازع الديني لديهم، فهم خير الخلق بعد الأنبياء عليهم رضوان الله تعالى، فاجتمع فيهم ذلك الأمر، وكانوا أعظم الناس ضبطًا، وذلك للجانب الفطري والجانب الديني في ذلك وهو الوازع، ولهذا كلما تقدمت الطبقة فهم أحفظ من غيرهم، مثل طبقة التابعين الكبار العليا، كقيس بن حازم و أبي عثمان النهدي و سعيد بن المسيب وغيرهم، وكلما نزلنا نجد أنهم أوثق وأقوى ضبطًا ممن جاء بعدهم. والبلدان التي تأخرت فيها الأمية، وتأخر فيها القلم، كمكة والمدينة، فإن هذه أضبط من غيرها، والبلدان التي ينتشر فيها القلم كالعراق والشام وغير ذلك، فإن هذه يقل فيها الحفظ، ويكثر فيها الرواية بالمعنى.