القول الثاني: أن الاستنجاء باليمين مكروه، وهو قول الحنفية [1] ، والمالكية [2] ، والشافعية [3] ، وهو المذهب عند الحنابلة [4] .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1 -الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الاستنجاء باليمين، ومن هذه الأحاديث حديث أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَاخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ» [5] ، وما ورد عن سَلْمَانَ - رضي الله عنه - أنه قِيلَ لَهُ:"قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ؛ حَتَّى الْخِرَاءة!"فَقَالَ:"أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ". [6]
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ؛ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ» وَكَانَ يَامُرُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ [7] .
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النهي فيها صريح صحيح، لا صارف له، والنهي عند عدم الصارف يقتضي التحريم [8] .
••المناقشة:
نوقش الاستدلال بهذه الأحاديث: بأن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما للتنزيه، والصارف له حديث طَلْقِ [9] بْنِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ جَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاةِ؟"قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلا بَضْعَةٌ مِنْكَ» [10] ، فقوله: «وَهَلْ هُوَ إِلا بَضْعَةٌ مِنْكَ» يدل
(1) انظر: الجوهرة النيرة: (1/ 40) ، والفتاوى الهندية: (1/ 50) ، وقال بعض الحنفية: هي كراهة تحريم، انظر: رد المحتار: (1/ 340) .
(2) انظر: مواهب الجليل: (1/ 290) ، ومنح الجليل: (1/ 97) .
(3) انظر: انظر: المجموع شرح المهذب: (2/ 126) ، وروض الطالب: (1/ 53) .
(4) انظر: الفروع: (1/ 124) ، ومطالب أولي النهى: (1/ 69) .
(5) أخرجه البخاري في الوضوء، باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، (1/ 69) حديث رقم: (153) ، ومسلم في الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين، (1/ 225) حديث رقم: (267) .
(6) سبق تخريجه: ص/.
(7) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (1/ 3) ، رقم: (8) ، والنسائي في الطهارة (1/ 38) ، رقم: (40) ، وابن ماجه في الطهارة وسننها (1/ 114) ، رقم: (313) ، وأحمد في المسند: (2/ 247) ، والدارمي في الطهارة (1/ 182) ، رقم: (674) ، وابن حبان في صحيحه: (4/ 288) ، والحميدي في مسنده: (2/ 434) ، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 91) ،.وصححه النووي في المجموع: (2/ 125) .
(8) انظر: سبل السلام: (1/ 77) ، ونيل الأوطار: (1/ 97) .
(9) هو: طلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو الحنفي السحيمي، أبو علي اليمامي، صحابي جليل، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه ابنه قيس وغيره.
انظر: معجم الصحابة: (2/ 40) ، والإصابة: (3/ 538) .
(10) أخرجه أبوداود في الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، (1/ 46) رقم: (182) ، والترمذي في أبواب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، (1/ 131) رقم: (85) ، والنسائي في الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك، (1/ 101) رقم: (165) ، وابن ماجه في الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، (1/ 163) رقم: (483) ، وأحمد في المسند: (4/ 22) ، والدار قطني في سننه: (1/ 149) ، وابن الجارود في المنتقى: (2/ 18) ، وابن حبان في صحيحه: (3/ 403) ، والطبراني في الكبير: (8/ 330) ، وابن الجعد في مسنده: (ص/477) ، قال ابن حجر في الفتح: (1/ 254) "وهو صحيح أو حسن".