فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 497

ومتعلق الأمر والنهي: الوجهان المتغايران، وهو نظير ما إذا قال السيد لعبده: خط هذا الثوب، ولا تدخل هذه الدار؛ فإن ارتكبت النهي عاقبتك، وإن امتثلت أعتقتك. فخاط الثوب في تلك الدار؛ فيصح من السيد أن يعاقبه ويعتقه، ويقول أطاع بالخياطة وعصى بدخول الدار، فكذلك ما نحن فيه من غير فرق، فالفعل وإن كان واحدًا فقد تضمن تحصيل أمرين مختلفين يطلب أحدهما ويكره الأخر، وبأن جمعهما المكلف لم يخرجا عن حقيقتهما" [1] ."

3 -القياس على من رأى غريقًا وهو يصلي، ويمكنه إنقاذه فتركه، أو حريقًا يقدر على إطفائه فلم يطفئه، فصلاته صحيحة، مع الإثم [2] .

••المناقشة:

ناقش ابن قدامة هذا الدليل بقوله [3] :"فأما من رأى الحريق فليس بمنهي عن الصلاة، إنما هو مأمور بإطفاء الحريق، وإنقاذ الغريق، وبالصلاة، إلا أن أحدهما آكد من الآخر، أما في مسألتنا فإن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها".

4 -أنه لا تلازم بين الإجزاء والإثابة، فهما يجتمعان ويفترقان، فمن صلى في مكان مغصوب حصل الإجزاء مع عدم الثواب، قال ابن تيمية [4] :"الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان، فالإجزاء: براءة الذمة من عهدة الأمر، وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه، والثواب: الجزاء على الطاعة، وليس الثواب من مقتضيات مجرد الامتثال بخلاف الإجزاء؛ فإن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به، لكن هما مجتمعان في الشرع؛ إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب، والعاصي معاقب، وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئًا لا ثواب فيه إذا قارنه من المعصية ما يقابل الثواب".

5 -أن العبد الآبق [5] تصح صلاته بالإجماع، مع كونه غاصبًا لنفسه من سيده، وهو يصلي بجملته وأجزائه، وأركانه المغصوبة، فصلاة غير العبد الآبق، الحر المالك لنفسه وأجزائه وأعماله في بقعة مغصوبة أولى أن تصح صلاته [6] .

••المناقشة:

نوقش: بأن الآبق عبد في غير أوقات الصلاة، فأما أوقات الصَّلاة فإنه لا حق للسيد فيها على العبد، ولا يملك استخدامه بأي نوع من الخدمة، فلا يكون العبد غاصبًا لنفسه، فتصح صلاته [7] .

••الجواب:

أجيب: بأن العبد الآبق يكون آبقًا في جميع أوقاته، حتى أوقات الصلاة إذا لم يرجع إلى سيده، ومما يدل على ذلك حديث جَرِير [8] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ» [9] ، ولو كانت وقت الصلاة ملكًا

(1) كشف الأسرار: (1/ 281) .

(2) انظر: المغني: (1/ 407) .

(3) انظر: المغني: (1/ 407) .

(4) مجموع الفتاوى: (19/ 303) .

(5) الإِباقُ: هَربُ العبيد وذَهابهم.

انظر: النهاية: (1/ 15) ، ولسان العرب: مادة: «أبق» (10/ 3) .

(6) انظر: الواضح في أصول الفقه لابن عقيل: (3/ 255) .

(7) انظر: المرجع السابق.

(8) هو: أبو عبد الله جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي الأمير، من أعيان الصحابة، بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم، مات سنة: (51هـ) وقيل: (54هـ) .

انظر: سير أعلام النبلاء: (2/ 530) ، والإصابة: (1/ 475) .

(9) سبق تخريجه: ص/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت