{ببابل هاروت وماروت} عطف بيان للملكين, والذي أنزل عليهما هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس, من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه, وأن لا يعتريه كان مؤمنًا.
قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيهِ ... ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه [1]
قلت: وهذا التفسير الذي ذكره الشيخ غريب؛ إذ كيف يأمر الله سبحانه وتعالى الناس بتعلم شيء ما وقد حرمه عليهم ابتداء, هذا يتنافى مع عدالة الله سبحانه وتعالى, فهو الذي خلق العباد, وهو أدرى بهم, ويعلم ما يضرهم وما ينفعهم. فإذن لا يعقل أن يحرم الله شيئا, أو أمرا على الناس, ثم يأمرهم بتعلمه.
ومما يحمد للشيخ هنا, أنه عند وقوفه على تفسير هذه الآية, لم يدخل في تفاصيل قصة الملكين؛ هاروت وماروت, التي ذكرها المفسرون في كتبهم ورووا في شأنها روايات غريبة. إذ كل ذلك من أباطيل وخرافات بني إسرائيل.
وعند قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) } الأنعام. قال: قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم} أي خلقها {لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني من آدم (عليه السلام) {فمستقر ومستودع} مستقر في الأرض, ومستودع في الصلب، وقيل: مستقر في الرحم ومستودع في القبر، وقيل: مستقر على وجه الأرض ومستودع عند الله، وقال الحسن: المستقر في الأرض القبر, والمستودع في الدنيا, وكان يقول: ابن آدم أنت وديعة في أهلك, ويوشك أن تلحق بصاحبك وأنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلاَّ وديعة ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع [2]
2 -استشهاده بالشعر على بعض صور البلاغة:
(1) التفسير: ص 28, والبيت لأبي فراس الحمداني, انظر"ديوان أبي فراس الحمداني", اعتناء وشرح عبد الرحمن المصطاوي, دار المعرفة بيروت, الطبعة الثانية,1425 هـ/2004 م ص 279.
(2) انظر"شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري"تحقيق وتقديم الدكتور إحسان عباس, التراث العربي, سلسلة تصدرها وزارة الإرشاد والأنباء/ الكويت, 1962,ص 170.وانظر"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية", ج 4 ص 252.