وهذا القول يحكى عن أبى الحسن الأشعري ومن وافقه. قالوا: إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل، وقالوا: مقتضى الأفضل تقصير المفضول عنه، وكلام الله لا يتبعض، وهذا يقولونه في الكلام لأنه واحد بالعين عندهم، يمتنع فيه تماثل أو تفاضل، وأما في الصفات بعضها على بعض فلامتناع التغاير [1] .
الدراسة:
ممن صرح بمنع التفاضل في القرآن الإمام المفسر ابن جرير الطبري - رحمه الله - حيث قال: =وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خيرًا من شيء+ [2] .
وينسب هذا القول إلى أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني من الأشاعرة.
وقد صنَّف أبو عبدالله بن الدراج مصنفًا في منع التفاضل، وحكى فيه إجماع أهل السنة على منع تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد رد شيخ الإسلام عليه فيما حكاه من إجماع [3] .
والمانعون من التفاضل وإن اتفقوا في المنع إلا أنهم مختلفون فيما يعتقدونه في كلام الله، لذا ففي القائلين بمنع التفاضل غير واحد من أهل السنة والجماعة، وقد صرح الشيخ أن القول بمنع التفاضل لم يُعرف قط عن أحد من السلف [4] .
نشأة هذا القول:
ذكر الشيخ أن القول بإنكار التفاضل اشتهر بعد المائتين لما أظهرت الجهمية القول بأن القرآن مخلوق، واتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك وردّه عليهم، وظنَّت طائفة كثيرة مثل الكلابية ومن سَلَك مسلكهم أن القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهيمة ونحوهم الذين يقولون إن القرآن مخلوق، فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض، فضل مخلوق على مخلوق، فظن أولئك أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقًا، ففروا من ذلك وأنكروا القول به؛ لأجل ما ظنوه من التلازم، وليس الأمر كما ظنّوه، بل سلف الأمة وجمهورها يقولون: إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكذلك سائر كلام الله غير مخلوق، ويقولون مع ذلك: إن كلامه بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من
(1) مجموع الفتاوى (17/ 68 - 69، 162 - 163.
(2) جامع البيان (1/ 480) ، وصرح بمنع التفاضل البغوي في معالم التنزيل (1/ 135) .
(3) ينظر: مجموع الفتاوى (17/ 73) .
(4) مجموع الفتاوى (17/ 46) .