فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 451

وكانت هي الحجة، ولا عبرة بمخالفة بعض علماء النحو واللغة [1] .

وما ذكره الشيخ من نقل القراءات بالتواتر من عهد الصحابة إلى عصره مشهور مستفيض؛ لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل عصر الجم الغفير طبقة بعد طبقة وجيلًا بعد جيل، ومن نظر إلى واقع الأسانيد وإجازات القراء ظهر له هذا الأمر جليًا.

وهذا التواتر الذي ذكره الشيخ يختص بأوجه القراءات بصفة عامة، وليس كل ما كان من قبيل الأداء متواترًا [2] .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله: التواتر الذي لا ريب فيه، ما تضمنه مصحف عثمان من الحروف، وأما كيفيات الأداء، مثل: تليين الهمزة، ومثل الإمالة والإدغام؛ فهذه مما يسوغ للصحابة أن يقرأوا فيها بلغاتهم، لا يجب أن يكون النبي ^ تلفَّظ بهذه الوجوه المتنوعة كلها.

بل القطع بانتفاء هذا أولى من القطع بثبوته، وما كان تلفظه به على وجهين، كلاهما صحيح المعنى، مثل قوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [3] و (يعملون) وقوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [4] فهذا يكتفى فيه بالنقل الثابت، وإن لم يكن متواترًا، كما يكتفى بمثل ذلك في إثبات الأحكام، والحلال والحرام، وهو أهم من ضبط التاء والياء، فإن الله - سبحانه وتعالى- ليس بغافل عما يعمل المخاطَبُون بالقرآن، ولا عما يعمل غيرهم، وكلا المعنيين حق قد دلّ عليه القرآن في مواضع، فلا يضر أن لا يتواتر دلالة هذا اللفظ عليه، بخلاف الحلال والحرام الذي لا يُعلم إلا بالخبز الذي ليس بمتواتر.

والعادة والشرع أوجب أن ينُقْل القرآن نقلًا متواترًا، كما نقلت جُمَلُ الشريعة نقلًا متواترًا [5] .

وهذا الذي قرره الشيخ من أنه لا يشترط لجميع أوجه الأداء التواتر، وإنما يكتفى بصحة السند واشتهار القراءة أو الوجه هو الذي عليه المحققون من أئمة القراء والآداء.

قال أبو شامة:

(1) ينظر: المنهاج في الحكم على القراءات (ص 16) .

(2) ينظر: المنهاج في الحكم على القراءات (ص 32) .

(3) قرأ ابن كثير: (وما الله بغافل عما يعملون) بالياء وقرأ الباقون بالتاء. ينظر: التيسير في القراءات السبع (1/ 77) ، وحجة القراءات (1/ 101) ، وإتحاف فضلاء البشر (1/ 195) .

(4) قرأ حمزة (إلا أن يخافا) بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء وكلا القراءتين متواترة. ينظر: التيسير في القراءات السبع (1/ 80) ، وحجة القراءات (1/ 135) .

(5) جامع المسائل (1/ 113) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت