ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة مشهورة [1] ؛ فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه، ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون في بلد من بلاد الإسلام بالمغرب، أو غيره ولم يتصل به بعض هذه القراءات فليس له أن يقرأ بما
(1) ابن شنبوذ المقرئ أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ المقرئ البغدادي، كان من مشاهير القراء وأعيانهم، وكان دينا، وفيه سلامة صدر، وفيه حمق، وقيل إنه كان كثير اللحن قليل العلم، وتفرد بقراءات من الشواذ، كان يقرأ بها في المحراب؛ فأنكرت عليه، وبلغ ذلك الوزير أبا علي محمد بن مقلة الكاتب المشهور وقيل له إنه يغير حروفا من القرآن، ويقرأ بخلاف ما أنزل فاستحضره في أول شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة واعتقله في داره أياما، فلما كان يوم الأحد لسبع خلون من الشهر المذكور استحضر الوزير المذكور القاضي أبا الحسين عمر بن محمد، وأبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ، وجماعة من أهل القرآن، وأحضر ابن شنبوذ المذكور ونوظر بحضرة الوزير، فأغلظ في الخطاب للوزير، والقاضي وأبي بكر بن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وعيرهم بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى القاضي أبا الحسين المذكور فأمر الوزير أبو علي بضربه؛ فأقيم وضرب سبع درر فدعا وهو يضرب على الوزير ابن مقلة بأن يقطع الله يده ويشتت شمله فكان الأمر كذلك، ثم أوقفوه على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها فأنكر ما كان شنيعا، وقال فيما سواه إنه قرأ به قوم فاستتابوه فتاب، وقال إنه قد رجع عما كان يقرؤه وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس فكتب عليه الوزير محضرا بما قاله، وأمره أن يكتب خطه في آخره فكتب ما يدل على توبته ونسخة المحضر سئل محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه وهو {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (فاعترف به وعن) {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} (فاعترف به وعن) {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} (فاعترف به وعن) {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (فاعترف به وعن) {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} (فاعترف به وعن) {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (فاعترف به وعن) {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (فاعترف به وعن) {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} (فاعترف به وعن) {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} (فاعترف به وعن) {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (فاعترف به وعن) {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (فاعترف به وعن) وكتب الشهود الحاضرون شهاداتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه.
وكتب ابن شنبوذ بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ ما في هذه الرقعة صحيح وهو قولي واعتقادي وأشهد الله عز وجل وسائر من حضر على نفسي بذلك وكتب بخطه فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين في حل من دمي وسعة وذلك يوم الأحدلسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة أدام الله توفيقه
وكلم أبو أيوب السمسار الوزير أبا علي في أمره وسأله في إطلاقه وعرفه أنه إن صار إلى منزله قتلته العامة وسأله أن ينفذه في الليل سرا إلى المدائن ليقيم بها أيامًا ثم يدخل إلى منزله ببغداد مستخفيا ولا يظهر بها أياما فأجابه الوزير إلى ذلك وأنفذه إلى المدائن وتوفي يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ببغداد وقيل عنه توفي في محبسه بدار السلطان رحمه الله تعالى انظر وفيات الأعيان 4/ 299 ومعرفة القراء الكبار 1/ 333.