فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 451

مع والده وأهل بيته من حرَّان إلى دمشق, وذلك بسبب جَور التتار, وقد حَملوا معهم كتبهم في رحلة شاقة, أنجاهم الله فيها من قبضة التتار.

وقد نشأ - رحمه الله - نشأةً صالحةً, فكان تقيًا ورعًا, عفيفًا, صوَّامًا, قوَّامًا, بارًا بوالديه, مقتصدًا في المأكل والملبس, معرِضًا عن الدنيا, ولم يتزوج ولم يتسرَّ [1] .

قال عنه تلميذه الذهبي: =والله ما مَقَلَت عيني مثله, ولا رأى هو مثل نفسه, كان إمامًا متبحرًا في علوم الديانة, صحيح الذهن, سريع الإدراك, سيَّال الفهم, كثير المحاسن, موصوفًا بِفَرْط [2] الشجاعة والكرم, فارغًا من شهوات المأكل والملبس والجماع, لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه, والعمل بمقتضاه+ [3] .

=وما رأيت في العالم أكرمَ منه, ولا أفرغَ منه عن الدينار والدرهم, لا يذكره, ولا أظنه يدور في ذهنه, وفيه مرؤة, وقيام مع أصحابه, وسعي في مصالحهم, وهو فقير لا مال له+ [4] .

وقد رُزق - رحمه الله - ذكاءً خارقًا, وحافظة عجيبة, فنبغ مبكرًا, وفاق الأقران, وأدهش الناس, ومازال صبيًا, وقد ناظر وهو دون البلوغ, وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره, فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار, وأفتى في سن السابعة عشرة من عمره, وبدأ التأليف وهو في تلك السن أيضًا, ودرَّس وهو في الحادية والعشرين من عمره, وذلك في مدرسة الحديث السُّكَّرية, خلفًا لأبيه بعد وفاته.

قال عنه ابن سيَّد الناس [5] : =ألفيتُه ممن أدرك من العلوم حظًا, وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا, إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته, وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته, أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه, وذو روايته, أو حاضر بالنحل والملل لم يُرَ أوسع من نحلته, ولا أرفع من

(1) أفاده ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة 2/ 395, قال الشيخ بكر أبو زيد:"لا رغبة عن هذه السُّنة, ولكنه مثقل الظهر بهموم العلم, والدعوة, والجهاد"المداخل ص 23.

(2) الفَرْطُ: تجاوز الحد. انظر: المعجم الوسيط 2/ 683 مادة (فرط) .

(3) المعجم المختصُّ ص 25 - 27 ط 2, والجامع لسيرة شيخ الإسلام ص 279.

(4) الذيل على طبقات الحنابلة 3/ 395.

(5) هو محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الربعي، أبو الفتح، فتح الدين، محدث مؤرخ عالم بالأدب، ولد بالقاهرة سنة 671 هـ، وتوفي بها سنة 734 هـ، من مؤلفاته: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، وبشرى اللبيب في ذكرى الحبيب. انظر: الدرر الكامنة 4/ 279، وفوات الوفيات 3/ 287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت