يضيّق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه+ [1] .
وقد جمع هذه الاحترازات عند خلط القراءات الحافظ الجزري، وفصَّل في المسألة تفصيلًا محررًا كعادته، فيقول:
=والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسّط إلى سواء السبيل فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى، فالمنع من ذلك منع تحريم كمن يقرأ ژ ? ? ? ? ? ژ [2] بالرفع فيهما أو بالنصب، آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير [3] ، ونحو: ژ ? ? ژ [4] بالتشديد مع الرفع أو عكس ذلك، ونحو ژ ھ ے ژ [5] وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها.
فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية، وإن لم يكن على سبيل النقل والرواية بل على سبيل القراءة والتلاوة فإنه جائز صحيح مقبول لا منع ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كلٌّ من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا على الأمة وتهوينًا على أهل هذه الملّة. فلو أوجبنا عليهم قراءة كل رواية على حدة لشقّ عليهم تمييز القراءة الواحدة وانعكس المقصود من التخفيف وعاد الأمر بالسهولة إلى التكليف+ [6] .
ولا مزيد على كلام الحافظ ابن الجزري، فقد أوفى الكيل ولم يبخس، ونظر في كلام من سبق نظر الناقد البصير المتفحص، فخرج بهذا التفصيل الذي جمع فيه بين الاحتياط والتيسير في أمر تركيب القراءات وخلطها، فأوفى المقام حقه، وأغلق الباب على من أراد طَرْقه.
وليُعلم أن القول بالجواز في خلط القراءات الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا يُفهم منه أن ذلك جائزٌ مطلقًا سواءًا ترتب على ذلك فساد في المعنى أو اللغة أو لم يترتب، بل هذا الأمر معتبرٌ في الجواز وإن لم يصرح
(1) التيسير للداني (ص 185) .
(2) سورة البقرة، الآية: 37.
(3) قرأها بفتح =آدم+ ورفع =كلمات+، وقرأ الباقون برفع =آدمٌ+ ونصب =كلمات+. ينظر: النشر لابن الجزري (2/ 211) .
(4) سورة آل عمران، الآية: 37. قرأ بتخفيف الفاء ورفع =زكرياء+ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر، وقرأها بتشديد الفاء وفتح =زكرياء+ شعبة، وقرأها بتشديد الفاء وحذف همزة =زكريا+ الباقون. ينظر: النشر (2/ 239) .
(5) سورة الحديد، الآية: 8. قرأها بالبناء للمجهول ورفع =ميثاقكم+ أبو عمرو، وقرأها بالبناء للمعلوم ونصب =ميثاقكم+ الباقون. ينظر: النشر (2/ 384) .
(6) النشر (1/ 19) .