تمهيد:
إن مما يحسن تقريره في مسائل الوحي؛ ذلك الارتباط الجلي بين الدرس العقدي، والدرس الاصطلاحي؛ فلا يحسن طرح المسائل الاصطلاحية بمعزل عن أثرها وحقيقتها من جهة الاعتقاد، لاسيما وأن ما يقرره أهل الاصطلاح في الغالب مبني على مقدمات عقدية.
فالتداخل بين البحث العقدي، والبحث الاصطلاحي، أمر ظاهر لا يمكن إغفاله أو تجاهله.
وثمة مباحث عدة في علوم القرآن ذات صلة بمسائل الاعتقاد كمسألة تعريف القرآن الكريم، ومسائل الوحي، ونزول القرآن، ومسائل المحكم والمتشابه، وغيرها. لهذا ينبغي التفطن لهذا الارتباط عند النظر في هذه الموضوعات.
إذا تقرر هذا فلا بأس من التوطئة لموضوع الوحي بالإشارة إلى الخلاف والنزاع في هذا الباب، وكذلك ذكر مايعتقده سلف هذه الأمة في كلام الله عز وجل.
فيقال: =لقد كان من أعظم ما حصل فيه الاختلاف والنزاع في الأمة ما أحدثته المبتدعة من الخوض في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، بل كان هذا أعظم ما وقع من الفتن التي وقعت لهذه الأمة، فحصل إلحاد طوائف في أسماء الله وصفاته، وتكذيب لما جاء به الرسول ^، وورد للمقطوع به من الكتاب والسنة، وحصل بذلك شر عظيم، وفساد كبير+ [1] .
وكان من أخص تلك القضايا التي طار في الأمة شَرَرُها، وعظم في الناس خطرها، ما أحدثته الفرق الكلامية من بدع التعطيل في صفة كلام الباري جل جلاله وتقدست أسماؤه.
وعلى رأس هذه الفرق الجهمية وأتباعهم من المعتزلة الذين عطلوا صفة الكلام، فقالوا: كلام الله مخلوق، يخلقه في بعض الأجسام، فمن ذلك الجسم ابتدأ، لا من الله، ولا يقوم عندهم بالله كلام ولا إرادة. وكذلك الأشاعرة القائلين بأن كلام الله معنى واحد قائم بالنفس لايتعدد ولايتجزأ.
والسلف - رحمهم الله - يعتقدون أن لله تعالى صفة الكلام وهي صفة قائمة به غير بائنة عنه، وأنه جل وعلا يتكلم بما شاء ومتى شاء، وأنه يتكلم بصوت وحرف ويسمعه من شاء من خلقه: من ملائكته، ورسله، وسائر عباده، بواسطة إن شاء، أو بغيرها، وكلامه أحسن الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين؛ إذ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والخالق لا يقاس بالمخلوق، وكلام الله ينقسم ويتبعض ويتجزأ، فالقرآن من كلامه، والتوراة من كلامه، والإنجيل من كلامه، والقرآن غير التوراة، والتوراة غير
(1) من كتاب العقيدة الإسلامية في كلام رب البرية، لعبدالله الجديع (ص 13 - 14) .