الشيخ إلى بعض صور إتيان جبريل إلى النبي ? في صورة رجل، فتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورة دحية الكلبي.
وقد دلّ على هذه الصورة أحاديث كثيرة:
منها حديث عائشة السابق، وفي آخره: (وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول) [1] .
وحديث عمر بن الخطاب، حيث قال عمر في أول الحديث: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولايعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ... الحديث وفيه سؤال ذلك السائل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان، وسؤاله عن الساعة وأماراتها، وفي آخره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل آتاكم يعلمكم دينكم) أخرجه مسلم [2] .
وفي رواية للإمام أحمد عن ابن عمر قال: وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية الكلبي [3] .
وفي صحيح البخاري عن أبي عثمان [4] قال: أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة: مَن هذا؟ أو كمال قال، قالت: هذا دحية، فلما قام قالت: والله ما حسبته إلاَّ إياه، حتى سمعت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر خبر جبريل، أو كما قال [5] .
قال ابن حجر: (وكان جبريل يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - غالبًا على صورته) [6] .
وكما تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكما جاءت الملائكة لإبراهيم وللوط في صورة الآدميين كما أخبر الله بذلك في غير موضع.
وبين الشيخ سبب تسمية هذين النوعين؛ إلقاء الملك، وخطابه وحيا؛ لما في ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت.
ومن الصور الداخلة في إيحاء الرسول أن يأتي جبريل في صورته
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) هو: أبو عثمان النهدي، الإمام الحجة، عبدالرحمن بن مُِلّ - وقيل: ابن مَلي - البصري، مخضرم معمر، أدرك الجاهليَّة والإسلام، وغزا في خلافة عمر، روى عن كبار الصحابة وهو أكبر من صغارهم، كان كثير الصلاة والعبادة، يقوم الليل ويصوم النهار، ويصلي حتى يُغشى عليه، مات سنة مائة. ينظر: السير (4/ 175 - 178) .
(5) أخرجه البخاري كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل ح (4980) (8/ 619) .
(6) فتح الباري (8/ 621) .