والصحيح أن معنى (الحرف) في حديث الأحرف اسبعة هو الوجه من وجوه القراءة. فيكون معنى الأحرف السبعة: الأوجه القرائية [1] .
وقد قرر شيخ الإسلام أن الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده.
ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن المراد بالأحرف السبعة عنده: أوجه من القراءة متغايرة هي التي يرجع إليها اختلاف القراءات، ولم يحدد الشيخ عدد هذه الأوجه وإن كان قد أشار إلى أنها ترجع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يكون معناها متفقًا أو متقاربًا.
ثم مثل الشيخ لهذا النوع من أوجه الاختلاف بالاختلاف في القراءات المشهورة (ربنا بَاعَد) و (بَاعِدْ) [2] ، (إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا) [3] و (إلا أن يُخافا ألا يقيما) ، (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولٌ مِنْهُ الْجِبَالُ) و (لَيزول) [4] ، و (بَلْ عَجِبْتَ) و (بل عجبتُ) [5] ونحو ذلك.
النوع الثاني: هو ما يكون المعنى فيها متفقًا من وجه متباينًا من وجه، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض؛ كقوله: (يخدعون) و (يُخَادِعُونَ) [6] و"يَكْذِبون"و (يكذِّبون) [7] و (لَمَسْتُم) و (لامستم) [8] و (حَتَّىَ يَطْهُرْنَ) و (يطَّهَّرن) [9] ونحو ذلك فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها.
النوع الثالث: هو ما اتحد لفظه ومعناه وإنما تتنوع صفة النطق به كالهمزات، والمدات، والإمالات، ونقل الحركات، والإظهار، والإدغام، والاختلاس، وترقيق اللامات والراءات، أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى في القراءات الأصول فهذا أظهر وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ إذ هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولا يعد ذلك فيما اختلف لفظه واتحد معناه، أو اختلف معناه من المترادف ونحوه؛ ولهذا كان دخول هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها من أولى ما يتنوع فيه اللفظ أو المعنى، وإن وافق رسم المصحف وهو ما يختلف فيه النقط أو الشكل.
(1) انظر حديث الأحرف السبعة، للدكتور عبدالعزيز القارئ ص 65 ومابعدها.
(2) سورة سبأ، الآية: 19.
(3) سورة البقرة، الآية: 229.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 46.
(5) سورة الصافات، الآية: 12.
(6) سورة البقرة، الآية: 9.
(7) سورة المطففين، الآية: 11.
(8) سورة النساء، الآية: 43، المائدة: 60.
(9) سورة البقرة، الآية: 222.