التتار والصليبيين, فقام هذا البطل المقدام مجاهدًا بلسانه، وقلمه, وسنانه, فردَّ على أهل الأهواء والبدع, وكشف عوارهم, وأبطل شبهاتهم, وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر, وحثَّ الناس على قتال التتار وأمرهم بالصبر والمصابرة, ووعدهم بالنصر, ولمّا التقى الصفان كان في طليعة الصفوف, كالأسد الهصور, يجالد الأعداء, ويستنهض الهمم, ويأمر الناس بالثبات حتى نصرهم الله.
قال أبو حيان الأندلسي النحوي صاحب البحر [1] :
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا مقام سيّد تيمٍ [2] إذ عصت مضر
فأظهر الدين إذ آثاره درست [3] وأخمد الشرك إذ طارت له شرر
يا من تحدث عن علم الكتاب أصخ [4] هذا الإمام الذي كان قد ينتظر [5]
ويقول تلميذه الحافظ أبو حفص البزار واصفًا شجاعته وقوة قلبه وجهاده:
=كان - رحمه الله - أشجع الناس, وأقواهم قلبًا, ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا [6] منه, ولا أعظم عناءً في جهادِ العدوَّ منه, كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده, ولا يخاف في الله لومة لائم.
أخبر غير واحد أن الشيخ - رحمه الله - كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهادٍ يكونُ بينهم أَوقَفَهم, وقُطْبَ ثباتهم, إن رأى من بعضهم هلعًا أو رقّة وجبانة، شجعَّه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة, وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين, وإنزال الله عليهم السكينة, وكان إذا ركب الخيل يتحنَّك ويجول في العدو كأعظم الشجعان, ويقوم كأثبت الفرسان, ويكبَّر تكبيرًا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم, ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت+ [7] .
(1) هو أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حيان الغرناطي، الأندلسي، مفسر، محدث، لغوي، من تصانيفه: تفسيره البحر المحيط، وتحفة الأريب في غريب القرآن، وغيرهما، توفي في القاهرة عام 745 هـ. انظر: طبقات المفسرين 2/ 286، والأعلام 7/ 152.
(2) سيَّد تيم هو أبو بكر الصديق.
(3) دَرَسَت: انمحت. انظر: مختار الصحاح ص 95، مادة (درس) .
(4) أَصِخْ: اسمع. انظر المعجم الوسيط 1/ 508 مادة (صخَّ)
(5) انظر: الذيل على طبقات الحنابلة ص 392.
(6) الجأش: النفس، أو القلب. انظر المعجم الوسيط 1/ 103 مادة (جأشت)
(7) الأعلام العلية ص 63.