فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 451

تعالى يبتلي

عباده المؤمنين, لِيَمِيز الخبيث من الطيب, والصادق من الكاذب, ويرفع درجات الصابرين, ويَحُطَّ خطاياهم, وكلمَّا زاد إيمان العبد, وقوى يقينه، زِيد في بلائه, ولمَّا ارتفع ذكرُ الشيخ - رحمه الله - وذاع صيته, وعظُمت مكانته في القلوب, حَسَده بعض الناس لا سيما أهلُ الأهواء والبدع, والتعصُّب المذهبي, الذين ناظرهم وردّ عليهم وكشف أستارهم, فسعوا في أذاه, وَوَشَوا به إلى السلاطين, ورموه بما هو منه براء, وقد سجن بسبب هذه المكائد سبع مرات, أربعًا بمصر, وثلاثًا بدمشق, وجميعها نحو خمس سنين [1] , وقد مات - رحمه الله - محبوسًا في قلعة دمشق, وكانت مدة حبسه في هذه المرَّة الأخيرة سنتين, وثلاثة أشهر, وأربعة عشر يومًا, وذلك بسبب مسألة الزيارة, وشد الرَّحال إلى قبور الأنبياء والصالحين, وقد ضُيِّق عليه قبل وفاته بأشهر, فمنع التلاميذ من الدخول عليه, وأخرج ما عنده من الكتب والأوراق والأقلام والدواة, فتفرغ للعبادة والذكر وقراءة القرآن إلى أن توفي.

ورغم ما أصابه من الأذى بسبب أعدائه فقد حَلِم عليهم, وعفا عنهم, ولمَّا أراد الملكُ الناصر أن ينتقم ممن سعى في سجنه وأفتى بقتله في مصر من القضاة والفقهاء, ثناه عن ذلك, وأخذ يثني عليهم, وأنهم لو ماتوا لم تجد مثلهم في دولتك, وقال له: = أمَّا أنا فهم في حل من جهتي+ .. حتى سكَّن ما عنده عليهم [2] .

وكان القاضي ابن مخلوف المالكي [3] يقول إثر ذلك: =ما رأينا أتقى من ابن تيمية, لم نبق ممكنا في السعي فيه, ولما قدر علينا عفا عنَّا+ [4] .

وقبل وفاته بقليل - وهو في حبسه - حلَّل من عاداه وهو لا يعلم أنه على الحق, وحللّ السلطان الملك الناصر من حبسه له, لكونه فعل ذلك مقلدًا لغيره, ولم يفعله من تلقاء نفسه, بل لما بَلَغَه مما ظنه حقًا من مُبَلِّغيه [5] .

الله أكبر هذه أخلاق العلماء الربانيين.

وفاته:

(1) انظر: المداخل لبكر أبو زيد ص 31.

(2) انظر: البداية والنهاية 14/ 54, والعقود الدرية ص 221.

(3) هو زين الدين، علي بن مخلوف بن ناهض النويري المالكي، قاضي المالكية بمصر، توفي بمصر عن 83 عامًا سنة توفي سنة 718 هـ. انظر: شذرات الذهب 6/ 49.

(4) البداية والنهاية 14/ 54.

(5) الأعلام العلية ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت