إن جبريل - عليه السلام - كان يعارضني بالقرآن في كل عامٍ مرةً، وإنه عارضني به العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي [1] .
فلفظ المدارسة يحتمل أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر، وفي رواية: يعرض عليه رسول الله ^ القرآن، وفي اللفظ الآخر: يَعرض على النبي ^ القرآن. أي: جبريل عليه السلام. فهاتان الروايتان صريحتان في أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر [2] .
فكانت هذه العرضة الأخيرة بِمنْزلة الْمراجعة النهائية للكتاب الحكيم، عرض فيها القرآن الكريم مرتين، فأُثبِت فيه جميع الأوجه الثابتة غير المنسوخة، وترك ما نُسِخ منه، فما ثبت في هذه العرضة هو القرآن المحكم المعجز المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، وما لم يثبت فإما أن يكون قرآنًا منسوخًا، وإما أنه ليس بقرآن، وكلاهما ليس له حكم القرآن من التعبد والإعجاز.
وبين الشيخ أن العرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره.
وكان تعويل الصحابة رضي الله عنهم في قراءة القرآن، ثم في جمعه بعد زمن النبي ^ على تلك العرضة الأخيرة؛ لأن ما لم يثبت فيها من أوجه القراءة فقد نسخ، وما ثبت فيها فهو القرآن المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة.
ولا شك أن النبي ^ كان يخبر أصحابه بِما يطرأ على آيات الكتاب من النسخ، وبِما يُحتاج إلى معرفته من معاني الكتاب التي تعلمها من جبريل عليه السلام.
وقد ورد من الروايات ما يدل على أن من الصحابة رضي الله عنهم من حضر تلك العرضة كزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم.
قال أبو عبد الرحمن السلمي [3] : قرأ زيد بن ثابتً على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول الله ^، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتابة المصاحف [4] .
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أيُّ القراءتين تعدون أول؟ قالوا:
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام 6/ 728 ح (3624) ، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة بَاب فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلاة وَالسَّلام 16/ 5 - 7 ح (2450) .
(2) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/ 659 - 661) ح:4997، و 4998.
(3) هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي، تابعي جليلٌ، ولد في حياة النَّبِيّ ^، وقرأ القرآن على عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو مقرئ الكوفة، ظل يقرئ الناس بمسجدها الأعظم أربعين سنة. معرفة القراء الكبار (1/ 52 - 53) ، وشذرات الذهب (1/ 92) .
(4) شرح السنة للإمام البغوي (4/ 525 - 526) ، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/ 237) .