عن النبي ^ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه [1] ، وقد ذكر هذا الدليل الشيخ فيما تقدم.
فمن الاختلاف الموجود في مصاحف الصحابة؛ أن مصحف أُبَيِّ بن كعب قدمت فيه النساء على آل عمران، ثم تلت آل عمران سورة الأنعام، ثم الأعراف ثم المائدة، ومصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأعراف، ثم الأنعام ... إلى آخره ما فيهما من خلاف مصاحفنا اليوم، وروي أن مصحف علي كان مرتبًا على النزول، فأوله سورة العلق، ثم المدثر، ثم ق، ثم المزمل ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني [2] .
ثالثًا: حديث ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة الأنفال وهي من المثاني، وإلى سورة براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟ قال: كان رسول الله ^ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب له فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا، وإذا أنزلت عليه الآيات قال: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا أنزلت عليه الآية قال: ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا، وكانت سورة الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت سورة براءة من أواخر ما أنزل من القرآن، قال: فكانت قصتها شبيهًا بقصتها، فظننا أنها منها، وقبض رسول الله ^ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال [3] .
فقول عثمان رضي الله عنه: =فظننا أنها منها، وقبض رسول الله ^ ولم يُبين لنا أنها منها + صريحٌ في عدم التوقيف [4] .
فهذا الحديث يدل عندهم على أن ترتيب السور لم يكن بتوقيف من النبي ^، بل كان باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم.
رابعًا: عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك وما يضرك؟!
(1) مناهل العرفان (1/ 353) .
(2) الإتقان في علوم القرآن (1/ 181 - 183) ، والبرهان في علوم القرآن (1/ 259) ، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 81، ومناهل العرفان (1/ 353) .
(3) أخرجه أحمد في المسند، مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/ 92) ح 401، (1/ 111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بها (1/ 208 - 209) ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/ 272) ح 3086، وقال: حديث حسن.
(4) نكت الانتصار لنقل القرآن (ص 82) .