قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لِمَ؟ قال: لعلي أؤلف أؤلِّف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلَّفٍ. قالت: وما يضرك أيَّه قرأت قبل؟ .... قال: فأخرجتْ له المصحف فأملت عليه آي السور [1] .
ووجه الدلالة فيه أن السائل كان يسأل عن ترتيب السور، بدليل قول عائشة له: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ لأن السلف متفقون على المنع من قراءة القرآن منكوسًا، بأن يقرأ من آخر السورة إلى أولِها، ولو كان السائل يسأل عن ترتيب الآي لأنكرت عليه عائشة قراءة القرآن غير مؤلف [2] .
ففي هذه الأحاديث، وغيرها حجة لِمن قال إن ترتيب السور كان اجتهاديًّا، وليس بتوقيف من النبي ^.
القول الثاني: أن هذا الترتيب توقيف من النبي ^، وبه قالت طائفة من أهل العلم.
قال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ?، وروي ذلك عن علي بن أبي طالبٍ [3] .
وقال الكِرْماني [4] : ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ. [5]
وقال أبو بكر بن الأنباري [6] : أنزل القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرِّق في بضعٍ وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويقف جبريلُ النبيَّ ? على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي ?، فمن قَدَّم سورة أو أخَّرَها، فقد أفسد نظم الآيات [7] .
واستدلوا على ذلك بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان، ولم يُخالف منهم أحد، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن (8/ 654) ح 4993.
(2) انظر فتح الباري (8/ 655) .
(3) البرهان (1/ 258) .
(4) هو تاج القراء، برهان الدين أبو القاسم محمود بن حمزة الكرماني، عالم بالقراءات، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، توفي في حدود سنة 505 هـ. الأعلام للزركلي (7/ 168) .
(5) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/ 259) .
(6) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، محمد بن القاسم بن بشار المقرئ النحوي، ولد سنة 272 هـ، ألف الدواوين الكبار في علوم القرآن والغريب والمشكل، والوقف والابتداء، وكان من أعلم الناس بنحو الكوفيين وأكثرهم حفظًا للغة. توفي سنة 328 هـ. سير أعلام النبلاء (15/ 274) ، وشذرات الذهب (2/ 310) .
(7) البرهان (1/ 260) .