فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 451

فعلي، وبحيث بقي لَهم فيه مجال للنظر [1] .

قال السيوطي: وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير [2] .

والذي يظهر بعد التأمل فيما سبق من أقوال وأدلة أن هذه المسألة لها حالتان:

الأولى: ما كان قبل الجمعين - جمع أبي بكر وجمع عثمان - رضي الله عنهما - وخاصةً الجمع الأخير؛ فالذي يظهر أن ترتيب السور قد دخله شيء من الاجتهاد غير أنه قليل.

الثانية: الواقع الذي آل إليه حال المصحف بعد جمع عثمان - رضي الله عنه - وهو أن ترتيب السور في المصحف العثماني حصل باتفاق من الصحابة، وأصبح مجمعًا عليه منهم، وإجماعهم حجة لاتجوز مخالفته، وحينئذ يقال بأن ترتيب المصحف توقيفيًا لا يجوز تغييره؛ ولذا لمَّا علم من كان عنده مصحف من الصحابة ترتيبه مغاير لما استقر عليه أمر ترتيب المصحف بعد جمع عثمان - رضي الله عنه - تركوا ترتيب مصاحفهم.

وليعلم أن الاختلاف الحاصل في مصاحفهم مرجعه إلى أن هذه المصاحف كانت مصاحف شخصية فردية، ولم يكونوا يكتبونَها للناس، فالواحد منهم لا يُثبت في مصحفه إلا ما وصل إليه مجهوده، وقد يفوته ما لم يفت الجماعة من تحقيق أدق وعلم أوسع [3] .

وبعد فمن نظر بهذا التصور، هان عليه الأمر واتضحت له حقيقة الخلاف المذكور في هذه المسألة. والله أعلم.

وأما ما استدل به من قال بأن ترتيب السور كان اجتهاديًا، وهما حديثان الأول: حديث ابن عباس عن عثمان [4] ، فهو ضعيف؛ فإن مدار الحديث على يزيد الفارسي [5] .

قال الشيخ أحمد شاكر: وفي إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف

(1) البرهان في علوم القرآن (1/ 257) .

(2) الإتقان في علوم القرآن (1/ 177) .

(3) مناهل العرفان (1/ 360) .

(4) وقد سبق قريبًا، وفيه قوله: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة الأنفال وهي من المثاني، وإلى سورة براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتموها في السبع الطوال.

(5) أخرجه أحمد في المسند، (1/ 92) ح 401، (1/ 111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/ 208 - 209) ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/ 272) ح 3086، وفي رواياتهم يزيد الفارسي. قال الترمذي: يزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي، وهو من التابعين ولم يدرك ابن عباس. جامع الترمذي (5/ 272) . وورد في رواية البيهقي من طريق هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة عن يزيد الرقاشي. دلائل النبوة (7/ 152) ، وأخرجه الحاكم من طريق هوذة بن خليفة أيضًا، ومن طريق روح بن عبادة، عن عوف عن يزيد الفارسي، وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! المستدرك على الصحيحين (1/ 221) ، و (1/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت