قال السيوطي: ومِمَّا يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءً، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاءً، بل فصل بين سورها، وفصل بين (طسم) الشعراء و (طسم) القصص بـ (طس) مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لذكرت المسبحات ولاءً، وأُخِّرت (طس) عن القصص [1] .
القول الثالث: أن ترتيب كثير من السور كان بتوقيف من النبي ^ وعلم ذلك في حياته، والبعض الآخر كان باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم.
واستدلوا على ذلك بورود أحاديث تفيد ترتيب بعض السور، كالأدلة التي احتج بِها من قال بالقول الثاني، وكذلك ورود آثار تصرّحُ باجتهاد الصحابة في ترتيب بعض السور كحديث ابن عباس عن عثمان رضي الله عنه السابق.
غير أن أصحاب هذا القول لم يتفقوا على ماكان ترتيبه توقيفيًا من السور وما جاء ترتيبها عن اجتهاد:
فقال القاضي أبو محمد بن عطية: إن كثيرًا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي ^ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل.
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مِمَّا نصَّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليلٌ يُمكن أن يجري فيها الخلاف، واحتج بأحاديث منها حديث عبد الله بن مسعود، وحديث عبد الله بن عباس السابقة في أدلة القول الأول [2] .
قال السيوطي: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي، إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته ^ سورًا ولاءً على أن ترتيبها كذلك، وحينئذ لا يَرِدُ حديث قراءته النساء قبل آل عمران؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجبٍ، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز [3] .
الترجيح:
هوَّن الزركشي من أمر هذا الخلاف، فقال: والخلاف يرجع إلى اللفظ؛ لأن القائل بأن الترتيب كان عن اجتهاد منهم يقول: إنه ^ رمز إليهم بذلك، لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته؛ ولِهذا قال الإمام مالك: إنَّما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ^، مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل ذلك بتوقيف قولي، أم بِمجرد استناد
(1) الإتقان (1/ 179) .
(2) البرهان في علوم القرآن (1/ 257 - 258) ، والإتقان في علوم القرآن (1/ 177) ، ومناهل العرفان (1/ 356 - 358) .
(3) الإتقان (1/ 179) ، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (7/ 152) .