المحافظة على سنة التلقي مما يضمن سلامة النطق، ومعرفة أحكام التلاوة.
5 -إن الذين دعوا إلى كتابة المصاحف بالرسم الإملائي ليسوا من القرَّاء، ولا من العلماء المختصين بعلم الرسم؛ وإنما عمادهم في ذلك على الرأي المجرد، في حين أن الذين دعوا إلى إبقاء الرسم العثماني وتمسكوا به هم علماء السلف جميعهم، والخير في اتباع طريق السلف الصالح رضوان الله عليهم.
أما الاحتجاج بأن الرسم العثماني يوقع الناس في مشقة وحرج ولا يمكنهم من القراءة الصحيحة فهذا غير مسلَّم به وذلك لما يأتي:
أ- الاختلاف بين الرسم العثماني والإملائي ليس إلا في كلمات معدودة، جمعها العلماء في قواعد معروفة، يسهل على المتعلم معرفتها في فترة وجيزة.
ب- أنَّ الأصل في تعلم القرآن التلقي؛ إذ به أحكام لا تعرف إلا عن هذا الطريق، ومن سلك طريق التلقي لا يشكل عليه معرفة القراءة الصحيحة؛ وإنما الإشكال لمن لا يلتزم الطريق الصحيح.
ج- الذي يعتاد القراءة في المصحف يألف هذه الفوارق بكل سهولة ويسر، وهي من المسائل التي تعتاد بالمران عليها، وتتحول في فترة قصيرة إلى سهولة ويسر تام؛ وبخاصة أن العلماء وضعوا لهذه الفوارق إشارات في المصاحف الحديثة تيسر هذا الجانب [1] ، وقد أجمع أهل الأداء وأئمة القراء على لزوم تعلم مرسوم المصاحف، فيما تدعو إليه الحاجة [2] ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلا حجة لمن يقول: إن العامة لا تعرف مرسوم المصاحف وإن قرؤوا به دخل عليهم الخلل؛ ولذا يجب تركه.
كما أن القول الثالث الذي يريد أن يجعل مصحفًا للعامة، ومصحفًا للخاصة، لا يخفى بطلانه؛ لأنه يؤدِّي إلى خلل عظيم، وقد تعلَّمه الأوائل على أميتهم، فكيف يقال هذا اليومَ مع سعة العلوم وانتشارها، وتوسع طرق التعليم، وتنوع وسائله؟ فالمصحف المرتل خير معين لكل من يريد أن يتعلم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم.
كما ينبغي لنا ألاَّ ننسى أن في المحافظة على هذا الرسم وحدة للأمة، واجتماعها في كتابة كتاب ربها دون اختلاف بين مكان أو زمان، ولا فرق بين ماض وحاضر، وهذا من أقوى أسباب الحفظ لكتاب الله عز وجل. [3] .
(1) ينظر: دراسات في علوم القرآن، للرومي، (ص 351) .
(2) ينظر: رشف اللمى على كشف العمى في رسم القرآن وضبطه (ص 1) .
(3) ينظر: مزايا الرسم العثماني وفوائده للدكتور / طه عابدين طه ص 38، وقد ذكر في هذا البحث جملة من مزايا وفوائد الرسم العثماني فلتراجع.