أن هذا الخلاف كان إبَّان ظهور النقط فقد كره غير واحد من السلف تشكيلها وتنقيطها وعلتهم في ذلك الاقتداء بالنبي ^ وأصحابه، في تجريدهم له من النقط، بل نهيهم عنه، وأيضًا مخافة أن يتسبب النقط في زيادة بعض الحروف، أو ينقص منها [1] ، ومنهم: ابن مسعود، والنخعي، وابن سيرين [2] .
وقد رخص في نَقْط المصاحف، وشكلها بالإعراب، جماعة منهم ربيعة بن عبدالرحمن، وابن وهب، وصرح الشافعي: بأنه يندب نقط المصحف وشكله، حيث إن احتجاج الممانعين بتجريد الصحابة له من ذلك - قد كان - حين ابتدأ الجمع، حتى لا يدخل بين دفتي المصحف، ما ليس من القرآن [3] ، وقد أمن ذلك اليوم، فلا يمنع من ذلك، لكونه محدثًا، فإنه من المحدثات الحقة التي لا تمنع [4] ، وقال النووي يستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة له من اللحن فيه [5] . وقد اختار شيخ الإسلام جواز النقط كما تقدم.
والكراهية للنقط والشكل قد تلاشت مع مرور الزمن، فمال الناس وانصرفوا جميعًا في العصور المتأخرة إلى طريقة الشكل المأخوذ من صور الحروف، الذي وضعه الخليل [6] .وأصبحت المصاحف تنقط حتى يومنا هذا.
وقرر الشيخ أن المصحف إذا شكل ونقط وجب احترام الشكل والنقط، كما يجب احترام الحرف، لأن الشكل يدل على الإعراب، والنقط يدل على الحروف.
ولفت الشيخ إلى نكتة لطيفة في أن مثل هذه المسألة إذا تصورها الناس على وجهها تصورًا تامًا ظهر لهم الصواب، وقَلَّت الأهواء والعصبيات، وعرفوا موارد النزاع، فمن تبين له الحق في شيء من ذلك اتبعه، ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له.
(1) المحكم في رسم المصاحف (ص 11) .
(2) الإتقان (4/ 160) .
(3) عنوان البيان (ص 79) .
(4) مناهل العرفان (1/ 402) .
(5) التبيان للنووي (ص 98) .
(6) مقدمة كتاب المحكم (ص 34) ، الإتقان (4/ 162) .