لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس كذلك [1] .
وقد ذكر العلماء جملة من الطرق التي يعرف بها النسخ، ومن هذه الطرق ما يأتي:
الأولى: أن يكون في اللفظ ما يدل على النسخ.
ويمثل لهذا من القرآن بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [2] . - على القول بنسخها - فإنه نُسخ عنهم أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر الواحد منهم اثنين فقط.
وكقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [3] . فإن هذا اللفظ يقتضي نسخ النهي عن الوطء في ليل رمضان.
وأيضًا قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [4] ، فإنه يفيد نسخ الصدقة عند المناجاة.
أما من السنة فيمثل له بقوله ^: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا) [5] .
وبقوله ^: (كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب) [6] .
الطريق الثانية: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه.
كأن يقول: =سمعت عام الفتح كذا+، و=سمعت في حجة الوداع كذا+ أي شيئًا يناقضه، فيعرف الناسخ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخًا لما في عام الفتح لتأخره عنه إذا لم يمكن الجمع بينهما [7] .
(1) ينظر: شرح مختصر الروضة (2/ 340) .
(2) الآية 66 من سورة الأنفال.
(3) الآية 187 من سورة البقرة.
(4) الآية 13 من سورة المجادلة.
(5) أخرجه مسلم في الجنائز، باب استئذان النبي ^ ربه في زيارة قبر أمه ح (2260) (ص 831) .
(6) أخرجه الطبراني في الأسوط ح (104) (1/ 39) ، من حديث عبدالله ب نعكيم قال: =كنت مع رسول الله ^ ونحن في أرض جهينة قال: كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب+، وقال الطبراني: =لم يروه عن أبي سعيد البصري إلا يحيى بن أيوب تفرد به فضالة بن المفضل عن أبيه+، وقد ضعفه ابن عبدالهادي في التنقيح (1/ 64) ، والزيلعي في نصب الراية (1/ 121) ، لأن في سنده فضالة بن المفضل - وقد تفرد به - قال أبو حاتم عنه: =لم يكن بأهل أن نكتب عنه العلم+. الجرح والتعديل (7/ 79) .
(7) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 439) ، الإحكام للآمدي (3/ 197) ، شرح مختصر الروضة (2/ 343) ، مذكرة الشنقيطي (ص 163) .