واحدًا، والمتشابه ما احتمل من التأويل وجوهًا+ [1] . وكذلك قال الإمام أحمد. وكذلك قال ابن الأنباري: =المحكم: ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: الذي تعتوره [2] التأويلات+ [3] ، فيقال حينئذ: فجميع الأمة سلفها وخلفها يتكلمون في معاني القرآن التي تحتمل التأويلات.
وهؤلاء الذين ينصرون أن الراسخين في العلم لا يعلمون معنى المتشابه هم من أكثر الناس كلاما فيه
وأيضًا، فما ذكره السلف والخلف في المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه.
فمن قال: إن المتشابه هو المنسوخ، فمعنى المنسوخ معروف، وهذا القول مأثور عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم [4] .
وابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، هم الذين نقل عنهم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، معلوم قطعا باتفاق المسلمين أن الراسخين يعلمون معنى المنسوخ، وأنه منسوخ، فكان هذا النقل عنهم يناقض ذلك النقل، ويدل على أنه كذب إن كان هذا صدقًا، وإلا تعارض النقلان عنهم. والمنقول عنهم أن الراسخين يعلمون معنى المتشابه.
والقول الثاني: مأثور عن جابر بن عبد الله أنه قال: =المحكم: ما علم العلماء تأويله، والمتشابه: ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة+ [5] . ومعلوم أن وقت قيام الساعة مما اتفق المسلمون على أنه لا يعلمه إلا الله. فإذا أريد بلفظ التأويل هذا كان المراد به لا يعلم وقت تأويله إلا الله، وهذا حق، ولا يدل ذلك على أنه لا يعرف معنى الخطاب بذلك، وكذلك إن أريد بالتأويل حقائق ما يوجد، وقيل: لا يعلم كيفية ذلك إلا الله، فهذا قد قدمناه، وذكر أنه على قول هؤلاء من وقف عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [6] هو الذي يجب أن يراد بالتأويل. وأما أن يراد بالتأويل التفسير، ومعرفة المعنى ويوقف على قوله: {إِلَّا اللَّهُ} فهذا خطأ قطعا مخالف
(1) ذكره أبو حيان في البحر المحيط (2/ 381) عن الشافعي مع اختلاف يسير في لفظه، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (1/ 351) عن الشافعي بنحوه.
(2) أصل الاعتوار التداول، والمقصود: أن التشابه له أكثر من تأويل.
ينظر: الصحاح مادة (عور) (2/ 762) .
(3) ينظر: زاد المسير (1/ 351) .
(4) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (1/ 351) عن هؤلاء كلهم.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره (3/ 174 - 175) وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (1/ 350، 351) عن جابر بلفظه، عن جابر بنحوه، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (4/ 9 - 10) عن جابر بمعناه.
(6) سورة آل عمران، الآية: 7.