فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 451

متشابهًا، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا اللّه، إما المتشابه، وإما الكتاب كله كما تقدم ونفى علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة، وهذا الوجه قوي، إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران، أنهم احتجوا على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [إنا] و [نحن] ونحو ذلك، ويؤيده أيضًا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابهًا وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب، كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإن نفي المشابهة بين الله وبين خلقه أعظم من نفي المشابهة بين موعود الجنة وموجود الدنيا.

وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولًا أن نفي علم التأويل ليس نفيًا لعلم المعنى، ونزيده تقريرًا أن اللّه سبحانه يقول: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [1] ، وقال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [2] فأخبر أنه أنزله ليعقلوه، وأنه طلب تذكرهم.

وقال أيضًا: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [3] فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن من ذلك شيئًا، بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه، مثل قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [4] ، وقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [5] ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفة ما لم يتدبر لما تدبر وأيضًا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ورووا عن النبي ^ أحاديث كثيرة توافق القرآن، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم، مثل عبد اللّه بن مسعود الذي كان يقول: لو أعلم أعلمَ بكتاب اللّه مني تبلغه آباط الإبل لأتيته. وعبد اللّه بن عباس الذي دعا له النبي ^، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتًا للصفات ورواية لها عن النبي ^، ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا، وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين، بل وثالثهما في علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلهما في جلالته جلالة أصحاب زيد بن ثابت، لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به،

(1) سورة الزمر، الآيتان: 27، 28.

(2) سورة يوسف، الآيتان: 1، 2.

(3) سورة الحشر، الآية: 21.

(4) سورة محمد، الآية: 24.

(5) سورة النساء، الآية: 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت