بين الشيخ أن الصنف الثاني من أصناف اختلاف التنوع هو أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى [لفظ الخبز] فأري رغيفًا، وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده، وقد ضرب مثالا لهذا الصنف بقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [1] فالآية جاءت بأوصاف عامة تشمل المؤمنين وهم على ثلاث مراتب:
الظالم لنفسه وهو المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد وهو الفاعل للواجبات والتارك للمحرمات دون أن يتقرب بالمندوبات بعد الواجبات، والسابق هو الذي يتقرب بالحسنات المندوبات مع الواجبات.
وهذا عام يشمل جميع أنواع الطاعات وأنواع المنهيات فمنهم من جعله في باب من أبواب الطاعات كالصلاة والزكاة، وذكر وصفا لما يقع من هذه الأصناف فيها. ففي الصلاة مثلا: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها والمقتصد الذي يأتي بها في أثناء وقتها، والسابق هو الذي يؤديها في أول وقتها.
والناظر لهذا التفسير تجد أنه تفسير لما يشمله لفظ الظالم لنفسه والمقتصد والسابق للخيرات.
ومن الأمثلة الموضحة لهذا الصنف ما يأتي:
1 -ما وقع من الخلاف في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [2] فقد روي عن ابن مسعود أن المراد بالنعيم الأمن والصحة [3] وروي عن ابن عباس أن النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار [4] .
وهذا الذي ذكروه إنما هو أمثلة للنعيم وليس هو كل النعيم ولهذا ورد عن بعض السلف أنه العافية وأنه بعض ما يطعمه الإنسان ويشربه [5] .
2 -ما ورد في قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [6] فقد نقل في تفسيرها عن السلف أشياء على جهة التمثيل، ومن ذلك أن المراد بمعناها: كونوا أول الصف وهو مروي عن ابن مسعود،
(1) سورة فاطر، الآية: 32.
(2) سورة التكاثر، الآية: 8.
(3) ينظر: تفسير ابن جرير الطبري (24/ 603 - 604) .
(4) ينظر: تفسير ابن جرير الطبري (24/ 604) .
(5) ينظر: تفسير ابن جرير الطبري (24/ 604 - 605) .
(6) سورة الحديد، الآية: 21.