تعريف القرآن اصطلاحًا
تمهيد:
إن مسألة الحد، وتحديد المصطلح وتحريره بتعريف جامع مانع يعد من أصعب أبواب العلم والتأليف؛ إذ يحتاج ذلك إلى خبرة ودراية بالحدود والضوابط والموانع، وزد على هذا أن الناس يتباينون في تحديد وتحرير التعاريف، كل حسب منزعه الذي ينزع منه، ومقصده الذي يبتغيه، وهذا ظاهر في الحدود التي ذُكرت في تعريف القرآن الكريم.
ثم إنه حينما يُذْكر تعريفٌ للقرآن الكريم، ليس لرفع الجهالة عنه، إذ هو أشرف من أن يُعرَّف، وإنما يذكر التعريف ضبطًا لحده بالقيود التي تخرج غيره عن مسماه، وهذه طريقة أهل الاصطلاح، وإما ردًا على الفرق المخالفة التي ضلَّت في الاعتقاد في صفة كلام الله عز وجل - ومنه القرآن الكريم - وهذا المسلك الذي سلكه شيخ الإسلام - رحمه الله - في تقريره لتعريف القرآن كما سيظهر لك قريبًا.
ومع تنوع مقاصد أصحاب المسلكين إلا أنك تجد تداخلًا وتوافقًا في كثير من الحدود في تعريف القرآن الكريم في كلا المسلكين.
ومما ينبغي أن يُذكر هنا أن مسألة تعريف القرآن الكريم - متعلقة بمسألة عظيمة في الاعتقاد هي مسألة (كلام الله عز وجل) وهي من أعظم مسائل الاعتقاد التي كثر فيها الاختلاف وعظم فيها الاضطراب في عصر الشيخ، وفي القرون المتقدمة عنه، قال رحمه الله: =والناس قد تنازعوا في كلام الله عز وجل نزاعًا كثيرًا، والطوائف الكبار نحو ست فرق+ [1] وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله التقرير في هذه المسألة بسطًا محررًا - يَنْدُر مثله - في كثير من مصنفاته، وذلك بجمع الأدلة من الكتاب والسنة مع حسن استدلال وقوة حجة، ونقضٍ لأدلة المخالفين، وكشفٍ لتلبيسهم، ونسفٍ لشبههم، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
=القرآن كلام الله لفظه ومعناه، سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمعه من جبريل، وبلغه إلى أمته ... مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور+ [2] .
الدراسة:
(1) مجموع الفتاوى (12/ 42) .
(2) مجموع الفتاوى (3/ 160 - 12/ 564) . ومن الحدود التي ذكرها الشيخ للقرآن الكريم قوله: =القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود+. انظر مجموع الفتاوى (12/ 258) ، (3/ 129) .