الدراسة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الله تعالى جادل المكذبين بالكتب والرسل والمعاد بأنواع الحجج والبراهين وقد ذكر شيخ الإسلام نوعين من أنواع الجدل في القرآن وهما:
1 -الاستدلال بطريق الوجود والعيان: والأول أعظم الطريقين فلا شيء أدل على إمكان الشيء من وجوده فذكر في كتابه ما أحياه من الموتى في غير موضع كما قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [1] . فهذه في قصة موت بني إسرائيل الذين سألوه الرؤية وقال في قصة البقرة: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [2] . وقال في الذين خرجوا من ديارهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [3] .
2 -الاستدلال بطريق الاعتبار والبرهان: وهو طريق إثبات الإمكان والقدرة بالاعتبار والقياس بطريق الأولى فإنه سبحانه يستدل على ذلك تارة بخلق النبات ويبين أن قدرته على إحياء الموتى كقدرته على إنبات النبات وتارة يستدل على ذلك بخلق الحيوان نفسه وأن قدرته على الإعادة كقدرته على الابتداء وأولى وتارة يبين ذلك بقدرته على خلق السماوات والأرض كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [4] وفي هذا الكلام العزيز من أنواع الاعتبار ما لا يحتمله هذا المكان.
وقد ذكر العلماء أنواعا أخرى من أنواع الجدل في القرآن وهي:
1 -قياس الخلف ويسمى بدليل التمانع: وهو إثبات الأمر بإبطال نقيضه؛
(1) سورة البقرة، الآيتان: 55 - 56.
(2) سورة البقرة، الآية: 73.
(3) من سورة البقرة، الآية: 243.
(4) سورة الحج، الآيات: 4 - 6.