وغيرها من الأمثلة التي ذكرها.
ويلحظ هنا القيد الذي علّل به المنع من جمع القراءات ووصفه بالابتداع وهو في قوله: =مع تنوع المعاني+ ويعرف هذا القيد عند أهل الأداء في علم القراءات بتركيب القراءات وخلطها، وهو أن يأخذ القارئ حكمًا أو أحكامًا من قراءة أو رواية، وحكمًا آخر أو أحكامًا أخرى من قراءة أو رواية ثانية ... ويقرأ بها كلها في آن واحد بكيفية لم ترد عن أحد من القراء أو الرواة عنهم، ويكون فيها إخلال بالمعنى أو بقواعد اللغة وهو الذي منعه المحققون من أئمة القراءة وأهل العلم.
يقول ابن الجزري في المنجد: =وأما ما أخذ به بعض المتأخرين من أنهم يجمعون كلمة كلمة، فبدعة وَحِشَة، تُخرج القرآن عن مقصوده ومعناه، ولا يحصل منها مراد السامع، والله أعلم بما على مَن يتعمد ذلك+ [1] .
ويقول النووي في التبيان: =إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء فينبغي أن يستمر على القراءة بها مادام الكلام مرتبطًا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أحد من السبعة، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس+ [2] .
وقال أبو عمرو بن الصلاح: =وإذا شَرعَ القارئُ بقراءة، ينبغي أن لا يزال يقرأ بها ما بقي للكلام تعلق بما ابتدأ به+ [3] .
ويُستفاد من هذه النقول عن هؤلاء الأئمة أن جمع القراءات - الذي تكون فيه مترتبة بعضها على بعض - وهو ما يسمى بالخلط والتركيب الممنوع، مما ينتج عنه فساد في المعنى مما لا تجيزه العربية مما ينبغي تركه.
وقد فرّق شيخ الإسلام بين جمع القراءات للدرس والحفظ وبين جمعها في الصلاة أو على سبيل التلاوة والتدبر، فقال في موضع: =ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب للقارئ في الصلاة، والقارئ عبادة وتدبرًا خارج الصلاة: أن يجمع بين هذه الحروف، إنما يفعل الجمع بعض القراء بعض الأوقات ليمتحن بحفظه للحروف، وتميزه للقراءات، وقد تكلم الناس في هذا، وأما الجمع في كل القراءة المشروعة المأمور بها فغير مشروع باتفاق المسلمين، بل يُخيَّر بين تلك الحروف، وإذا قرأ بهذه تارة، وبهذه تارة كان حسنًا+ [4] .
(1) منجد المقرئين (ص 74) .
(2) التبيان في آداب حملة القرآن (ص 124) .
(3) المصدر السابق. د
(4) مجموع الفتاوى (22/ 459) .