العباسيين لما طلب الفلاسفة ليترجم علم المنطق باللغة العربية شاور كبيرًا لهم، فقال: ترجموه لهم فإن علمنا هذا لا يدخل في دين إلا أفسده" (1) ، يقول الباحث على بن بخيت الزهراني:"ومن عجائب الأمور أن حركة الترجمة هذه كان قد تولى العمل بها والإشراف عليها أناس ليسوا بمسلمين، من يهود ونصارى ومجوس وطوائف شتى، فما عسى أن تكون النتيجة حين أسندت حركة الترجمة إلى تلك الطوائف الحاقدة على الإسلام، التي انطلقت في ظل رعاية الدولة وفي كنف تشجيعها تتبارى في إخراج تلك السموم من مكامنها؛ لحقن فكر المسلمين وعقولهم بها؟ فإن تهافت هؤلاء المترجمين من أعداء الإسلام على القيام بترجمة هذه الفلسفة ليؤكد لنا أن هناك مؤامرة خفيةً أو اتفاقًا على الأقل بين هذه الفئات الحاقدة لتدمير المسلمين من الداخل، وغزوهم فكريًا بهذه السموم الخطيرة" (2) , وعلى إثر ذلك كله قام المسلمون بتلقي كثير مما تُرجم لهم من هذه الكتب على وجه القبول، حتى ما كان منها في جانب العقائد؛ انبهارًا منهم بالعقول اليونانية فسلكوا بعضهم في الإلهيات مسلكهم, فأصابهم من ذلك المسلك ما أصابهم من الشك والريبة والاختلاف الذي أصاب من قبلهم من الأمم؛ لمّا ابتغوا غير نور الله ليوصلهم بزعمهم إلى الحق والنور، ولم يكن ما أصابهم من ذلك الاختلاف إلا لأنهم جعلوا طرائق العقول البشرية التي يعتريها الغي والضلال هي الأساس في تقرير العقائد وجعلوا الوحي هو المقرر لذلك؛ فالتعارض عندهم بينهما يتم فيه ترجيح العقل البشري على السمع الرباني (3) "
(1) - أبجد العلوم: 2/ 545، بتصرف يسير.
(2) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة: 1/ 244
(3) وفي ذلك يقول الرازي متأثرًا بالطرائق العقلية اليونانية ومقدمًا لها على الوحي:"فاستواؤه: قهره واستيلاؤه، ونزوله: بره وعطاؤه، ومجيئه: حكمه وقضاؤه، ووجهه: وجوده أو جوده، وحياؤه وعينه: حفظه وعونه: اجتباؤه، وضحكه: عفوه أو إذنه، وارتضاؤه ويده: إنعامه وإكرامه واصطفاؤه"، انظر تأسيس التقديس