والمعنى الثاني: قصد ذات الفعل مع علم الفاعل بأن الفعل من خصائصهم وذلك بأن يكون الفاعل فعل الفعل مع قصده إياه _ وهنا خرج عن كونه ناسيًا أو مكرهًا إلخ _ بالإضافة إلى علمه بأن هذا الفعل من خصائصهم، فهنا حصل منه قصد ذات الفعل ولكنه لم يحصل منه ذلك التشوف والركون إلى الكفار، ومع ذلك يكون متشبهًا ؛ وذلك لقصده ذات الفعل الذي يعلم كونه من التشبه المنهي عنه والأمور بمقاصدها، فأما إذا زاد على ذلك إرادة التشبه وقصده فإنه عندئذ قد جاء بمحظور زائد على مجرد التشبه فإن فيه عملًا قلبيًا يشعر بمحبتهم وإكنان المودة لهم، وهذا أخطر من مجرد التشبه العملي بهم، فإني لم أجد _ حسب اطلاعي _ عن أحد من السلف أنه لما نُهي عن مظهر من مظاهر التشبه اعتذر بأنه لم يقصد المشابهة، بل كانت حالهم - لو افترضنا وقوع أحدهم في ذلك- لا تخرج عن عدم العلم بأن الفعل المعني به من خصائص المشركين (1) ، وعلى هذا فإنه يحرم عليه فعل التشبه سواء قصد التشبه أو لم يقصده، ما دام أنه قصد ذات الفعل الذي يعلم أنه من خصائص الكفار.
(1) وبهذا يكون قد ابتعد عن الإثم حيث إنه لم يحصل منه أي نوع من أنواع القصد التي ذكرتها آنفًا، لا قصد ذات الفعل مع علمه أنه من خصائص الكافرين، ولا قصد ذات الفعل مع قصد التشبه.